وأغراض اخرى كثيرة تلتقي مع أغراض الرسالة في عدد وفير ومستوى رفيع. (١)
أسرار التكرار في القصص القرآني
وهذا يعود إلى تعدّد الأغراض التي تهدفها القصّة في مجال التربية. وليست القصّة إذا ذكرت مرّة استنفدت أغراضها الدينيّة والتربويّة ، ليكون التحدّث عنها مرّة اخرى عبثا وتكرارا للمكرّر!
القصّة إذا كانت ذات جوانب عديدة فإنّها إنّما تذكر كلّ مرّة بلحاظ جانب منها مناسب للحال والمقام ، وقد يعفى هذا الجانب ويلحظ جانب آخر في مناسبة اخرى وهكذا لعدّة مرّات.
وأكثر القصص تكرارا في القرآن حديث موسى وفرعون وتاريخ حياة بني إسرائيل. ذلك أنّ اليهود كانت جاورت العرب منذ حين ، وكانت العرب تعرف من شأنهم وتعظّم من قدرهم ما لا تكاد تعرفه أو تقدّره من سائر الامم. وكانت الأدوار التي مرّت على حياة بني إسرائيل ومواقفهم مع الأنبياء أشبه بحالات كانت تعتور العرب حين ظهر الإسلام. فكانت العلاقة وثيقة بين الحياتين ، تلك في غابرها الماضي وهذه في حاضرها الراهن.
والملاحظ في تكرار قصّة نبيّ الله موسى عليهالسلام الفرق بين روحها العامّة عند ما تذكر في السور المكّيّة ، وروحها في السور المدنيّة. فإنّما تؤكّد في القصص المكّي منها على العلاقة العامّة بين موسى من جانب وفرعون وملأه من جانب آخر ، دون أن تذكر أوضاع بني إسرائيل تجاه موسى نفسه ، إلّا في موردين يذكر فيهما انحراف بني إسرائيل عن العقيدة الإلهيّة بشكل عام. وهذا بخلاف الروح العامّة لقصّة موسى في السور المدنيّة ، فإنّها تتحدّث عن علاقة موسى مع بني إسرائيل. وتتحدّث عن هذه العلاقة وارتباطها بالمشاكل الاجتماعيّة والسياسيّة.
__________________
(١) راجع ما كتبه الاستاذ سيد قطب في كتابه : التصوير الفنّي في القرآن ، ص ١١٢ ـ ١٢٠. وعلى أثره العلامة السيد محمّد باقر الحكيم في كتابه : القصص القرآني ، ص ٣٣ ـ ٥٦.
