الأوّل. (١)
وقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا). (٢) قالوا : ليس الودّ ممّا يجعل ، وإنّما هو شيء يحصل في القلب. فلا يقال : يجعل لك حبّا ، بل يقال : يحبّك.
والجواب : أنّ المراد جعل الودّ أي خلقه في قلوب المؤمنين. قال ابن قتيبة : فإنّه ليس على تأوّلهم ، وإنّما أراد أنّه يجعل لهم في قلوب العباد محبّة. فأنت ترى المخلص المجتهد محبّبا إلى البرّ والفاجر ، مهيبا مذكورا بالجميل. ونحوه قوله تعالى في قصّة موسى عليهالسلام : (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي). (٣) لم يرد في هذا الموضع أنّي أحببتك وإن كان يحبّه. وإنّما أراد أنّه حبّبه إلى القلوب وقرّبه من النفوس. فكان ذلك سببا لنجاته من فرعون ، حتّى استحياه في الوقت الذي كان يقتل فيه ولدان بني إسرائيل. (٤)
* * *
وقالوا في قوله تعالى : (وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً). (٥) السبات هو النوم ، فكيف يجعل نومنا نوما؟
لكن السبات هاهنا ليس بمعنى النوم ، بل هو بمعنى الراحة ، أي جعلنا النوم راحة لأبدانكم. ومنه قيل : يوم السبت ، لأنّ الخلق اجتمع في يوم الجمعة ، وكان الفراغ منه يوم السبت. فقيل لبني إسرائيل : استريحوا في هذا اليوم ولا تعملوا شيئا ، فسمّى يوم السبت أي يوم الراحة.
وأصل السبت التمدّد ، ومن تمدّد فقد استراح. ومنه قيل : رجل مسبوت. ويقال : سببت المرأة شعرها : إذا نقضته من العقص وأرسلته. قال أبو وجزة السعدي :
|
وإن سبّتته مال جثلا كأنّه |
|
سدى وأثلاث من نواسج خثعما (٦) |
__________________
(١) تأويل مشكل القرآن ، ص ٧٨.
(٢) مريم ١٩ : ٩٦.
(٣) طه ٢٠ : ٣٩.
(٤) تأويل مشكل القرآن ، ص ٧٩.
(٥) النبأ ٧٨ : ٩.
(٦) الجثل هنا بمعنى : المنثور المتفتّت ، من جثلته الريح : إذا استخفته فنثرته. والسدى : خيوط تنسجها النساء بالمغزل. والواثلات : الناسجات. تأويل مشكل القرآن ، ص ٨٠.
