مطاعن ردّ عليها قطب الدين الراوندي(١)
عقد في كتابه القيّم «الخرائج والجرائح» بابا ردّ فيه على مطاعن المخالفين في القرآن ، (٢) وهو بحث موجز لطيف وتحقيق واف دقيق ذو فوائد جمّة نورده هنا بالمناسبة : قالوا : إنّ في القرآن تفاوتا ، كقوله : (لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَ). (٣) ففي هذا تكرير بغير فائدة فيه ، لأنّ قوله «قوم من قوم» يغني عن قوله : «نساء من نساء». فالنساء يدخلن في قوم. يقال : هؤلاء قوم فلان ، للرجال والنساء من عشيرته!
الجواب : إنّ «قوم» لا يقع في حقيقة اللغة إلّا على الرجال. ولا يقال للنساء التي ليس فيهنّ رجل : هؤلاء قوم فلان. وإنّما سمّي الرجال قوما ، لأنّهم القائمون بالامور عند الشدائد. ويدلّ عليه قول زهير :
|
وما أدري وسوف إخال أدري |
|
أقوم آل حصن أم نساء |
وقالوا في قوله تعالى : (الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي)(٤) تفاوت (أي تهافت) كيف تكون العيون في غطاء عن الذكر؟ وإنّما المناسب أن تكون الأسماع في غطاء عن الذكر!
الجواب : إنّ الله أراد بذلك عميان القلوب ، وعمى القلب كناية عن عدم وعي الذكر ، يقال : عمى قلب فلان ، وفلان أعمى القلب ، إذا لم يفهم ولم يع ما يلقى إليه من الذكر الحكيم. ومن ثمّ جاء تعقيب الآية بقوله : (وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً).
قال تعالى : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها
__________________
(١) هو أبو الحسن سعيد بن هبة الله المشتهر بالقطب الراوندي ، نسبتا إلى راوند من قرى كاشان قائمة إلى اليوم. عالم متبحّر ومحدّث فقيه من أعاظم علماء الإمامية في القرن السادس (توفي سنة ٥٧٣) هو من مشايخ ابن شهرآشوب وغيره من أكابر أعيان العلماء في وقته. له مصنّفات جليلة ، منها : الخرائج والجرائح. وقصص الأنبياء ، ولبّ اللباب ، وشرح نهج البلاغة ، وبحقّ أسماه «منهاج البراعة».
(٢) أورده بكامله المجلسي في البحار ، ج ٨٩ ، ص ١٤١ ـ ١٤٦.
(٣) الحجرات ٤٩ : ١١.
(٤) الكهف ١٨ : ١٠١.
