اقتضاء حالتهم هم ولكنّ الله يفعل ما يشاء حسب حكمته وإرادته وليس شيء حتما عليه ما دامت الحكمة هي الحاكمة على فعاله تعالى وتقدّس ، وإرادته تعالى هى الساطية على تدبير عالم الوجود دنيا وآخرة ، لا رادّ لقضائه.
وبذلك أشار في قوله تعالى : (قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)(١) فأوعدهم بالخلود. لكنّ الوعيد ليس لزاما عليه ما دام الله يفعل ما يشاء وفق حكمته وعلمه القديم.
لكنّه تعالى أكّد وعده بشأن السعداء أن سيدوم لهم النعيم ولو تغيّرت المشيئة بالبقاء في الجنّة فرضا ليطمئنّوا على ثقة من دوام عنايته تعالى بهم أبدا.
فهؤلاء واولئك خالدون حيث هم ، ما دامت السماوات والأرض ـ وهو تعبير يلقى في الذهن صفة الدوام والاستمرار حسب الاستعمال الدارج ـ (٢) وقد علّق السياق هذا الاستمرار بمشيئة الله في كلتا الحالتين. وكلّ قرار وكلّ سنّة معلّقة بمشيئة الله في النهاية. فمشيئة الله هي التي اقتضت السنّة وليست مقيّدة بها ولا محصورة فيها. إنّما هي طليقة تبدّل هذه السنّة حين يشاء الله : (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ).
وزاد السياق في حالة الذين سعدوا ما يطمئنّهم إلى أنّ مشيئة الله اقتضت أن يكون عطاؤه لهم غير مقطوع ، حتّى على فرض تبديل إقامتهم في الجنّة. وهو مطلق فرض يذكر لتقرير حرّيّة المشيئة بعد ما يوهم التقييد. (٣)
* * *
وقوله تعالى : (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى). (٤) «إلّا» هو بمعنى «سوى» مثلها في قوله : (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ). (٥) يريد سوى ما سلف في الجاهلية قبل النهي. فالمعنى في الآية الاولى : أنّهم لا يذوقون الموت بعد موتهم
__________________
(١) الأنعام ٦ : ١٢٨.
(٢) وللتعبيرات ظلال ، وظلّ هذا التعبير هنا هو المقصود.
(٣) راجع : في ظلال القرآن ، المجلّد ٤ ، ص ٦٢٧ ، ج ١٢ ، ص ١٤١.
(٤) الدخان ٤٤ : ٥٦.
(٥) النساء ٤ : ٢٢.
