أنّ أكثر وعوده تعالى التي جاءت في القرآن كانت بصورة خلق الرجاء في نفوس الموعود لهم ، مبدوّة بلفظة «لعلّ» و «عسى» ونحوهما ، ممّا يجعل الإنجاز معلّقا على مشيئته واقتضاء حكمته وليس حتما عليه في ظاهر الوعد وإن كان الله يفي بما وعد فضلا ومنّة ولا يخلف الميعاد.
يقول تعالى مخاطبا لنبيّه : (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى. إِلَّا ما شاءَ اللهُ). (١) فقد تلقّاه النبيّ وعدا حتما وإن كان بصورة التعليق على المشيئة.
وقال : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً). (٢) فهو وعد بمقام الشفاعة ، ولسوف يعطيه ربّه فيرضى. (٣) وإن كان الوعد وقع ظاهرا بصورة خلق الرجاء.
وقال بشأن المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا : (فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُوراً). (٤) فاولئك معفوّ عنهم لا محالة ، ومن ثمّ جاء التعقيب بأنّه تعالى عفوّ غفور. غير أنّ الوعد وقع ظاهرا بصورة خلق الرجاء دون الحتم الإلزامي.
وقال : (وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). (٥) لا شكّ أنّه تعالى سيرحم اولئك الذين اتّبعوا الكتاب واتّقوا ، لكنّ الوعد وقع بغير صورة الحتم عليه تعالى. والآيات من هذا القبيل كثيرة.
* * *
والتعليق على المشيئة بشأن خلود الأشقياء في النار والسعداء في نعيم الجنان من هذا القبيل ، حتّى لا يكون لزاما عليه تعالى فيما أوعد أو وعد ، ومن ثمّ عقّب المشيئة بشأن الأشقياء بقوله : (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ). يعني : وإن كان الإيعاد بالخلود وقع بشأنهم حسب
__________________
(١) الأعلى ٨٧ : ٦ و ٧.
(٢) الإسراء ١٧ : ٧٩.
(٣) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى الضحى ٩٣ : ٥.
(٤) النساء ٤ : ٩٩.
(٥) الأنعام ٦ : ١٥٥.
