وقريب منه ما قاله الزجّاج وغيره : إنّه استثناء تستثنيه العرب وتفعله ، كما تقول : والله لأضربنّ زيدا إلّا أن أرى غير ذلك ، وأنت عازم على ضربه. والمعنى في الاستثناء على هذا : أنّي لو شئت أن لا أضربه لفعلت.
وثامنها : أنّه يعني بقوله : (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) ما سبقهم به الذين دخلوا قبلهم من الفريقين. قاله يحيى بن سلام البصري ، واحتجّ بقوله تعالى : (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً). (١) (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً). (٢) قال : إنّ الزمرة تدخل بعد الزمرة ، فلا بدّ أن يقع بينهما تفاوت في الدخول. والاستثناءان على هذا من الزمان.
وتاسعها : أنّ المعنى : خالدون في النار ، دائمون فيها مدّة كونهم في القبور ، ما دامت السماوات والأرض في الدنيا ، وإذا فنيتا وعدمتا انقطع عقابهم إلى أن يبعثهم الله للحساب ، وقوله : (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) استثناء وقع على ما يكون في الآخرة. أورده الشيخ أبو جعفر قدس الله روحه وقال : ذكره قوم من أصحابنا في التفسير.
وعاشرها : أنّ المراد : إلّا ما شاء ربّك أن يتجاوز عنهم. والاستثناء يكون على هذا من الأعيان.
وقال في الذين سعدوا : يتأتّى فيهم جميع الوجوه التي ذكرت في أهل الشقاء إلّا ما ذكروه من جواز إخراج بعض الأشقياء من تناول الوعيد لهم وإخراجهم من النار. فإنّ ذلك لا يتأتّى هنا ، لإجماع الامّة على أنّ من استحقّ الثواب فلا بدّ أن يدخل الجنّة ولا يخرج منها بعد الدخول ، لقوله تعالى : (عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أي غير مقطوع. (٣)
* * *
قلت : والذي يترجّح في النظر أنّ مثل هذا التعليق على المشيئة في كلامه تعالى أمر عاديّ إذا ما لاحظنا شيمة الأكابر حيث لا يحتّمون على أنفسهم أمرا ليكون لزاما عليهم فيطالبوا بإنجازه وإن كانوا يوفون بما وعدوا كرامة وفضلا لا تكليفا وإلزاما. ومن ثمّ ترى
__________________
(١) الزمر ٣٩ : ٧١.
(٢) الزمر ٣٩ : ٧٣.
(٣) مجمع البيان ، ج ٥ ، ص ١٩٤ ـ ١٩٦ مع تصرّف يسير.
