وفيه وجه ثالث ، وهو : أن يكون الاستثناء من الخلود مكث أهل الذنوب من المسلمين في النار ، حتّى تلحقهم رحمة الله وشفاعة رسوله ، فيخرجوا منها إلى الجنّة. فكأنّه قال سبحانه : خالدين في النار ما دامت السماوات والأرض إلّا ما شاء ربّك من إخراج المذنبين من المسلمين إلى الجنّة وخالدين في الجنّة ما دامت السماوات والأرض ، إلّا ما شاء ربّك من إدخال المذنبين النار مدّة من المدد ثم يصيرون إلى الجنّة. (١)
هذا ما ذكره ابن قتيبة بهذا الشأن ، والآيتان من مشكل القرآن ، على حدّ تعبير المفسّر الكبير أبي علي الطبرسي. وأفاد هو هنا وجوها لحلّ الإشكال نذكرها بالتالي ، ولنبدأ بالآيتين. بكاملتهما :
* * *
قال تعالى : (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ. فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ. خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ). (٢)
فقد وقع الاستثناء بشأن كلّ من الأشقياء والسعداء ، أمّا الاستثناء بشأن الأشقياء فلا موضع للكلام فيه ، نظرا لأمرين :
أحدهما : أنّ هذا الاستثناء لم يقع بشأن المجموع من حيث المجموع ، بل بشأن الجميع حسب الأفراد ، فالجميع محكومون بالخلود في جهنّم إلّا ما شاء ربّك بشأن بعضهم ، ولعلّهم الأكثر حسب مقتضى الذنوب التي ارتكبوها ولعلّها تقع موضع عفو ربّهم الكريم.
ثانيهما : أنّ الشقاء إنّما هو في مرتبة الاقتضاء للخلود ، وليس علّة تامّة. ومن ثمّ صحّ الاستثناء حسب مشيئة الربّ إذا تحقّقت أسبابه في حين.
هذا فضلا عن أنّ مخالفة الوعيد لا ضير فيه ولا حزازة فيه على الكريم.
__________________
(١) تأويل مشكل القرآن ، ص ٧٦ ـ ٧٨.
(٢) هود ١١ : ١٠٥ ـ ١٠٨.
