إنّما الكلام والإشكال وقوع الاستثناء بشأن السعداء حيث وعدهم بالخلود ، والكريم لا يخلف الميعاد.
قال الطبرسي : اختلف العلماء في تأويل هذا في الآيتين ، وهما من المواضع المشكلة في القرآن. والإشكال فيه من وجهين : أحدهما : تحديد الخلود بمدّة دوام السماوات والأرض. والآخر : معنى الاستثناء بقوله : (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ).
فالأوّل فيه أقوال :
أحدها : أنّ المراد ما دامت السماوات والأرض مبدّلتين. أي ما دامت سماء الآخرة وأرضها ، وهما لا يفنيان إذا اعيدا بعد الإفناء. عن الضحّاك والجبّائي.
وثانيها : أنّ المراد ما دامت سماوات الجنّة والنار وأرضهما. وكلّ ما علاك سماء وكلّ ما استقرّ عليه قدمك أرض. وهو قريب من الأول.
وثالثها : أنّ المراد ما دامت الآخرة ، وهي دائمة أبدا. كما أنّ دوام السماء والأرض في الدنيا قدر مدّة بقائها. عن الحسن.
ورابعها : أنّه لا يراد به السماء والأرض بعينهما ، بل المراد التبعيد. فإنّ للعرب ألفاظا للتبعيد في معنى التأبيد. يقولون : لا أفعل ذلك ما اختلف الليل والنهار ، وما دامت السماء والأرض ، وما نبت النبت ، وما أطّت الإبل ، وما اختلف الجرّة والدرّة ، وما ذرّ شارق ، وفي أشباه ذلك كثرة ، ظنّا منهم أنّ هذه الأشياء لا تتغيّر ، ويرون بذلك التأبيد لا التوقيت. فخاطبهم الله سبحانه بالمتعارف من كلامهم على قدر عقولهم وما يعرفون.
قال عمرو بن معديكرب :
|
وكلّ أخ مفارقه أخوه |
|
لعمر أبيك إلّا الفرقدان |
وقال زهير :
|
ألا لا أرى علّ الحوادث باقيا |
|
ولا خالدا إلّا الجبال الرواسيا |
|
وإلّا السماء والنجوم وربّنا |
|
وأيّامنا معدودة واللياليا |
لأنّه توهّم أنّ هذه الأشياء لا تفنى ، وتخلد.
قلت : وهذا الوجه الرابع هو الرأي السديد حسب الظاهر.
