غير أنّ الخلق بمعنى الإبداع وإيجاد الصورة بالتركيب الصناعي أمر يعمّ. فقد حكى الله تعالى عن المسيح : (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ). (١) وقوله : (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي). (٢) والخلق ـ في كلام العرب ـ ابتداع الشيء ، وإنّما يخصّه تعالى إذا كان إنشاء لا على مثال سبقه. وكلّ شيء خلقه الله فهو مبتدؤه على غير مثال سبق إليه. (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ). (٣)
قال ابن الأنباري : الخلق في كلام العرب على وجهين : أحدهما الإنشاء على مثال أبدعه ، والآخر التقدير. وقوله تعالى : (فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ)(٤) معناه : أحسن المقدّرين. وكذلك قوله تعالى : (وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً)(٥) أي تقدّرون كذبا.
قال ابن سيده : خلق الله الشيء يخلقه خلقا : أحدثه بعد أن لم يكن.
قال ابن منظور : والخلق التقدير. وخلق الأديم يخلقه خلقا : قدّره لما يريد قبل القطع ، وقاسه ليقطع منه مزادة أو قربة أو خفّا. قال زهير بن أبي أسلمي يمدح رجلا :
|
ولأنت تفري ما خلقت وبع |
|
ض القوم يخلق ثمّ لا يفري |
يعني : أنت إذا قدّرت أمرا قطعته وأمضيته ، وغيرك يقدّر وليس بماضي العزم. (٦)
عبس وتولّى
وممّا جعله أهل التبشير المسيحى ذريعة للحطّ من كرامة القرآن ـ بزعم وجود التناقض فيه ـ ما عاتب الله به نبيّه صلىاللهعليهوآله بشأن عبوسه في وجه ابن أمّ مكتوم المكفوف ، جاء ليتعلّم منه ملحّا على مسألته ، وهو لا يعلم أنّه منشغل بالكلام مع شرفاء قريش. فساء النبيّ إلحاحه ذلك فأعرض بوجهه عنه كالحا متكشّرا. الأمر الذي يتنافى وخلقه العظيم الذي وصفه الله به في وقت مبكّر!
جاء قوله تعالى : (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) في سورة القلم ، ثانية السور النازلة بمكة.
__________________
(١) آل عمران ٣ : ٤٩.
(٢) المائدة ٥ : ١١٠.
(٣) الأعراف ٧ : ٥٤.
(٤) المؤمنون ٢٣ : ١٤.
(٥) العنكبوت ٢٩ : ١٧.
(٦) لسان العرب ، مادّة «خلق».
