أمّا سورة عبس فهي الرابعة والعشرون.
جاء في أسباب النزول : أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله كان يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعبّاس بن عبد المطّلب وابيّا واميّة ابني خلف يدعوهم إلى الله ويرجو إسلامهم. وفي هذه الحال جاءه عبد الله ابن أمّ مكتوم (١) ونادى : يا رسول الله ، أقرئني وعلّمني ممّا علّمك الله ، فجعل يناديه ويكرّر النداء ، ولا يعلم أنّه مشتغل ومقبل على غيره ، حتّى ظهرت آثار الكراهة على وجه رسول الله ، لقطعه كلامه!
قالوا : وقال في نفسه : يقول هؤلاء الصناديد : إنّما أتباعه العميان والعبيد ، فأعرض عنه وأقبل على القوم الّذين كان يكلّمهم ، فنزلت الآيات. وكان رسول الله بعد ذلك يكرمه ويقول إذا رآه : مرحبا بمن عاتبني فيه ربّي. واستخلفه على المدينة مرّتين. (٢)
قال الشريف المرتضى : ليس في ظاهر الآية دلالة على توجّهها إلى النبيّ صلىاللهعليهوآله بل هو خبر محض لم يصرّح بالمخبر عنه ، وفيها ما يدلّ على أنّ المعنيّ بها غيره ، لأنّ العبوس ليس من صفات النبيّ مع الأعداء المنابذين فضلا عن المؤمنين المسترشدين. ثمّ الوصف بأنّه يتصدّى للأغنياء ويتلهّى عن الفقراء لا يشبه أخلاقه الكريمة. وقد قال تعالى في وصفه : (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ). (٣) وقال : (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ). (٤) فالظاهر أنّ قوله (عَبَسَ وَتَوَلَّى)(٥) المراد به غيره. (٦)
وهكذا ورد قوله تعالى : (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ). (٧) وقوله : (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ
__________________
(١) هو : عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصمّ القرشي. قيل : انّ اسمه الحصين ، سمّاه النبيّ عبد الله. قال ابن حيان : كان أهل المدينة يقولون : اسمه عبد الله ، وأهل العراق يقولون : اسمه عمرو. قال ابن خالويه : كان أبوه يكنّى أبا السرج (على ما ذكره الشيخ في تفسير التبيان ، ج ١٠ ، ص ٢٦٨). وكان مؤذّنا للنبي صلىاللهعليهوآله بعد هجرته من مكّة. واسم أمّه عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة. وهو (ابن أمّ مكتوم) ابن خال خديجة أمّ المؤمنين عليهاالسلام ، فإن أمّ خديجة اخت قيس بن زائدة واسمها فاطمة. أسلم في السابقين إلى الإسلام بمكّة وكان من المهاجرين الأوّلين ، قيل : قدم المدينة قبل النبيّ ، وقيل : بعده بقليل ، ومات في أيّام عمر ، وقيل : استشهد بالقادسية. راجع : الإصابة لابن حجر ، ج ٢ ، ص ٥٢٣.
(٢) مجمع البيان ، ج ١٠ ، ص ٤٣٧.
(٣) القلم ٦٨ : ٤.
(٤) آل عمران ٣ : ١٥٩.
(٥) عبس ٨٠ : ١.
(٦) تنزيه الأنبياء للسيّد المرتضى ، ص ١١٨ ـ ١١٩ بتلخيص يسير.
(٧) الحجر ١٥ : ٨٨. مكّية ، رقم نزولها : ٥٤.
