ولكن كانت تلك بغية أمل في نفس يعقوب ، قضاها الله رعاية لجانبه العزيز على الله.
وممّا يبعّد إرادة إصابة العين ـ إضافة على ما ذكرنا ـ أنّ التحرّز من ذلك لا يتوقّف على الدخول من أبواب متفرّقة ، بل يكفي الدخول متعاقبين وفي فترات. ثمّ إنّهم كانوا يدخلون مصر في جمع غفير من رفقة القافلة الحاشدة بالأحمال والأثقال ، فكيف يعرف الناس أنّ هؤلاء إخوة من أب واحد؟
وكذا قوله تعالى : (وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ ...).
الزلق : الزلّة. وأزلقه : أزلّه ونحّاه عن مكانه. والمزلق : المكان الذي ينزلق عليه ولا يمكن الثبات عليه.
والإزلاق بالأبصار ، تحديق النظر إليه نظر ساخط شديد السخط بحيث يكون مرعبا يوجب الوحشة والتراجع عمّا هو فيه خوفا من إيقاع الأذى به.
و «إن» مخفّفة من المثقلة. أي كاد أن يزلّوك عن موضعك بشدّة السخط والإرعاب والإرهاب ، البادي ذلك من تحديق نظرهم المغضب إليك.
أي إنّهم لشدّة عداوتهم وبغضائهم ينظرون إليك نظرا شزرا (١) حتّى ليكادون يزلّون قدمك بغضا فتصدع حين سمعوك تتلو كتاب الله وتنبذ أصنامهم. (٢)
وهذا نظير قوله تعالى : (وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها). (٣) يقال : فزّه واستفزّه أي أزعجه.
فهذه النظرات الشذرة تكاد تؤثّر في موقف الرسول الصلب فتجعله يزلّ ويزلق ويفقد توازنه وثباته على الأمر. وهو تعبير فائق عمّا تحمله هذه النظرات العدائية من غيظ وحنق وشرّ ونقمة وضغن ، وحمى وسمّ (لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ). مصحوبة هذه النظرات المسمومة المحمومة بالسبّ القبيح والشتم البذيء والافتراء الذميم (وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ). (٤)
ويدلّنا على عدم إرادة إصابة العين في هذه الآية الكريمة بالذات أنّ إصابة العين
__________________
(١) يقال : شزر إليه أي نظر إليه بجانب عينه مع إعراض أو غضب.
(٢) راجع : تفسير المراغي ، ج ٢٩ ، ص ٤٧.
(٣) الإسراء ١٧ : ٧٦.
(٤) في ظلال القرآن ، المجلّد ٨ ، ص ٢٤٣ ، ج ٢٩ ، ص ٦٧.
