باطلا؟ الثانية : هل للعين تأثير سوء ذاتيا مع قطع النظر عمّا جاء في القرآن؟
أمّا الجهة الاولى فليس في ظاهر تعبير القرآن ما يدلّ على ذلك :
أمّا قولة يعقوب لبنيه : (لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ ...) فإنّما كانت في عودتهم إلى مصر بعد سفرتهم الاولى التي رجعوا منها خائبين. فلو كان يخاف عليهم العين لأمرهم بذلك في المرّة الاولى بل وفي كلّ سفرة وحلّ وارتحال ، فيمنعهم أن يترافقوا في الأسفار على الإطلاق ، ولا خصوصية لهذه المرّة من الدخول على يوسف.
قيل : إنّما قال لهم ذلك ـ في هذه المرّة ـ ليستخبر من حالة العزيز حين يدخل عليه كلّ أخ له ، فيستعلم من تأثير كلّ واحد عند الدخول عليه حالته الخاصّة وما يظهر على أسارير وجهه وحركات عينيه حين رؤية شقيقه من أمّه بنيامين. (١) ولعلّ يعقوب استشعر من ردّ العزيز إخوته ليأتوا بأخ آخر لهم من أبيهم ، أنّه هو يوسف. فحاول بهذه التجربة معرفة شخصية العزيز ولعلّه يوسف نفسه. الأمر الذي لا يعلم إذا دخلوا عليه كلّهم جماعة واحدة. ومن ثمّ لمّا دخل عليه أخوه بنيامين آواه وأفشى نفسه لديه. الأمر الذي يدلّ على دخوله عليه لوحده. فقد تحقّق تدبير يعقوب في تفرّسه.
وهذا يدلّ على فراسة يعقوب القوية ، حيث يقول عنه تعالى : (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ)(٢) أي ذو فراسة قوية.
قال إبراهيم النخعي ـ وهو تابعيّ كبير ـ : إنّ يعقوب عليهالسلام كان يعلم بفراسته بأنّ العزيز هو ابنه يوسف إلّا أنّ الله لم يأذن له في التصريح بذلك فلمّا بعث أبناءه إليه أوصاهم بالتفرقة عند الدخول وكان غرضه أن يصل بنيامين وحده إلى يوسف في خلوة من سائر إخوته. (٣)
وقوله تعالى : (ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها)(٤) يعني : إنّ هذا التدبير الذي قام به يعقوب لم يكن يغيّر من المصلحة التي رعاها الله بشأنه ،
__________________
(١) راجع : تفسير المراغي ، ج ١٣ ، ص ١٦.
(٢) يوسف ١٢ : ٦٨.
(٣) راجع : التفسير الكبير ، ج ١٨ ، ص ١٧٤ ؛ والدرّ المنثور ، ج ٤ ، ص ٥٥٧.
(٤) يوسف ١٢ : ٦٨.
