الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ. الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ. مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ). الخنس : العمل في خفاء وعن وحشة الافتضاح ، ومن ثمّ إذا أحسّ بالفضح خنس أي انقبض وتخفّى بسرعة. فكان الخنّاس هو الذي يعمل في خبث ولؤم وعن وحشة خشية الافتضاح. فهو يعمل في خبث معه ضعف وجبن ووهن في مقدرته الماكرة.
فأنزل الله الملكين هاروت وماروت ببابل ينبّهان الناس على إفشاء تلك الأساليب الماكرة ويعلّمانهم طرق التخلّص منها والنقض من أثرها. غير أنّ بعض الخبثاء كانوا يتعلّمون ما يضرّهم دون ما ينفعهم. ليفرّقوا بين المرء وزوجته. سوى أنّ الله غالب على أمره وما تشاءون إلّا أن يشاء الله.
يقول الله عن سوء تصرّف بني إسرائيل : (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ. وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ). (١)
لقد تركوا ما أنزل الله ونبذوه وراء ظهورهم ، وراحوا يتتبّعون ما كان يقصّه الشياطين ـ والشيطان وصف لكلّ خبيث سيّئ السريرة ـ على عهد سليمان وأساليب تضليلهم للناس من دعاو مكذوبة عن سليمان حيث كانوا يقولون إنّه كان ساحرا وإنّه سخّر ما سخّر بسحره. والقرآن ينفي عنه ذلك (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ) باستعمال السحر الذي هو في حدّ الكفر بالله العظيم. ولكن الشياطين (خبثاء الجن والإنس) كفروا يعلمون الناس السحر (طرق الإضلال وأساليب التضليل).
ثمّ ينفي أنّ السحر منزل من عند الله على الملكين : هاروت وماروت ، اللذين كان مقرّهما بابل. ويبدو أنّه كانت هناك قصّة معروفة عنهما وكان اليهود أو الشياطين يدّعون أنّهما كانا يعرفان السحر ويعلّمانه للناس. فنفى القرآن هذه الفرية ، وبيّن الحقيقة ، وهي أنّ
__________________
(١) البقرة ٢ : ١٠٢.
