هذين الملكين كانا هناك فتنة وابتلاء للناس ، كانا يقولان لكلّ من يأتيهما طالبا منهما معرفة طريق التخلّص من براثن الشياطين السحرة : لا تكفر باستخدام تلك الأساليب الماكرة. وقد كان بعض الناس يصرّ على تعلّم السحر لغرض خبيث على الرغم من تحذيره وتبصيره ، (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ). وهنا يبادر القرآن فيقرّر كلّية التصوّر الإسلامي الأساسية ، وهي أنّه لا يقع شيء في هذا الوجود إلّا بإذن الله ورعاية مصلحته وحكمته. فبإذن الله تفعل الأسباب فعلها وتنشأ آثارها وتحقّق نتائجها وإن كانت عاقبة السوء تعود على الزائغين الذين ينحرفون عن الطريق السوي والصراط المستقيم الذي رسمه لهم ربّ العالمين.
ثمّ يقرّر القرآن حقيقة ما يتعلّمونه بغية إيقاع الشرّ بالآخرين ، إنّه شرّ عليهم وليس خيرا لهم (وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ). وربّما يكفي أن يكون هذا الشرّ هو الكفر والخسران في الآخرة (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ). فمن تعلّم شرّا وحاول الإضرار به يعلم أن لا نصيب له في العاقبة ، فهو حين يختاره ويشتريه يفقد كلّ رصيد له في الآخرة سوى العقاب. فما أسوأ ما باعوا به أنفسهم وأضاعوا خيرات كانت لهم في عقبى الدار. (وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) لو كانوا يفقهون ويعون واقع الأمر.
(النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ)(١)
النفث ، قذف القليل من الريق شبيه بالنفخ ، وهو أقلّ من التفل. ونفث الراقي أو الساحر أن ينفث بريقه في عقد يعقدها بعد كلّ زمزمة يتزمزم بها ليسحر بها فيما زعموا. والمراد به هنا هي النميمة ينفثها النمّامون في العقد أي في الروابط الودّية ليبدّدوا شمل الالفة بين المتحابّين : المرء وزوجته ، الوالد وولده ، الأخوين ، المتشاركين في صنعة أو تجارة أو زراعة وغير ذلك ممّا يرتبط وأواصر الودّ بين شخصين أو أكثر. والعرب تسمّي
__________________
(١) الفلق ١١٣ : ٤.
