وغلب الباطل والمبطلون وذلّوا وصغروا وانكمشوا بعد الزهو الذي كان يبهر العيون : (فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ). (١)
قال : فالسحر لا يغيّر من طبيعة الأشياء ، ولا ينشئ حقيقة جديدة لها. ولكنّه يخيّل للحواسّ والمشاعر بما يريده الساحر. وهذا هو [واقع] السحر كما صوّره القرآن الكريم في قصّة موسى عليهالسلام فلم تنقلب حبالهم وعصيّهم حيّات فعلا ، ولكن خيّل إلى الناس أنّها تسعى. وهذه هي طبيعة السحر كما ينبغي لنا أن نسلّم بها. وهو بهذه الطبيعة يؤثّر في الناس ، وينشئ لهم مشاعر وفق إيحائه. مشاعر تخيفهم وتؤذيهم وتوجّههم الوجهة التي يريدها الساحر.
قال : وعند هذا الحدّ نقف في فهم طبيعة السحر والنفث في العقد. وهي شرّ يستعاذ منه بالله ويلجأ إلى حماه. (٢)
سحرة بابل
كان المجتمع البابلي ـ على عهد الكلدانيّين ـ مجتمعا فاسدا شاعت فيه الفحشاء والمنكرات وراج الفساد والإفساد في الأرض ، وكان من أساليب إفسادهم ارتكاب الحيل الماكرة والدسائس الخادعة لإيجاد البغضاء والشحناء بين الناس ، وبثّ روح سوء الظنّ بين المؤتلفين : بين المرء وزوجته. بين الوالد وولده. بين الأخوين. بين الشريكين في صنعة أو تجارة. وذلك عن طريق الوساوس والدسائس والخدع والنيرنجات ، وكان السبب يعود إلى هيمنة الحسد على الناس حينذاك ، بما جعلهم يبغض بعضهم بعضا ويعمل بعضهم ضدّ البعض في أساليب وحيل خدّاعة كلّ يوم في شكل من أشكالها ، ويتعاون بعضهم مع بعض في تخطيط هذه الأساليب وتنويعها (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً). (٣) وإلى ذلك تشير سورة الناس : (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. مَلِكِ النَّاسِ. إِلهِ النَّاسِ. مِنْ شَرِّ
__________________
(١) في ظلال القرآن ، المجلّد ٣ ، ص ٦٠٤ ، ج ٩ ، ص ٣٨.
(٢) المصدر : المجلّد ٨ ، ص ٧٠٩ ، ج ٣٠ ، ص ٢٩١.
(٣) الأنعام ٦ : ١١٢.
