وقد عرفت أنّ سحرهم كانت شعوذة والأخذة بالعين لا غير. فقد (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ)(١) وكانت (حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى). (٢) فقد كان مجرّد تلبيس وتمويه في الأمر وأروهم ما كان الواقع خلافه.
وإذا كان هذا (مجرّد التخييل والتمويه) سحرا عظيما ـ والسّحر ما لطف ودقّ مأخذه ـ فكيف بغير العظيم الذي هو أخفّ وزنا وأردأ شأنا. هذا ما يرسمه لنا القرآن من واقع السحر ، وأنّه يخالف تماما ما كانت العرب تعتقده بشأن السحر وتأثيره في قلب الواقع ، فكيف يا ترى مزعومة من زعم أنّ القرآن وافق العرب في عقيدتها أو جاملهم وتماشى معهم في أمر باطل!؟
قال سيّد قطب : وحسبنا أن يقرّر القرآن أنّه سحر عظيم ، لندرك أيّ سحر كان. وحسبنا أن نعلم أنّهم سحروا أعين الناس وأثاروا الرهبة في قلوبهم (وَاسْتَرْهَبُوهُمْ) لنتصوّر أيّ سحر كان. ولفظ «استرهب» ذاته لفظ مصوّر ، فهم استجاشوا إحساس الرهبة في الناس وقسروهم عليه قسرا. ثمّ حسبنا أن نعلم من النصّ القرآني ـ في سورة طه ـ أنّ موسى عليهالسلام قد أوجس في نفسه خيفة لنتصوّر حقيقة ما كان. ولكن مفاجأة اخرى تطالع فرعون وملأه ، وتطالع السحرة الكهنة ، وتطالع جماهير الناس في الساحة الكبرى التي شهدت ذلك السحر العظيم : (وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ). (٣)
إنّه الباطل ينتفش ، ويسحر العيون ، ويسترهب القلوب ، ويخيّل إلى الكثير أنّه غالب ، وأنّه جارف ، وأنّه محيق! وما هو إلّا أن يواجه الهادئ الواثق ، حتّى ينفثئ كالفقّاعة ، وينكمش كالقنفذ ، وينطفئ كشعلة الهشيم! وإذا الحقّ راجح الوزن ، ثابت القواعد ، عميق الجذور. والتعبير القرآني هنا يلقي هذه الظلال ، وهو يصوّر الحقّ واقعا ذا ثقل «فوقع الحقّ» ... وثبت ، واستقرّ ... وذهب ما عداه فلم يعد له وجود : (وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ).
__________________
(١) الأعراف ٧ : ١١٦.
(٢) طه ٢٠ : ٦٦.
(٣) الأعراف ٧ : ١١٧ ـ ١١٩.
