نفوس متّكلة على الله قويمة بعنايته تعالى (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ). (١) فكان ما تعلّموه ضرر عليهم ولا ينفعهم شيئا. الأمر الذي جعلهم عجزة ومساكين وعائشين على فضلة الأثرياء أو الضعفاء الأغنياء. قال تعالى بشأنهم : (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى). (٢)
وهذا طابع وسمهم به القرآن الكريم. حيث يقول ـ موجّها خطابه إلى المشركين في زعمهم أنّ النبي جاء بسحر ـ : (أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ). (٣) دليلا على أنّ الذي جاء به نبيّ الإسلام لا صلة له بالسحر ، حيث قد توفّق في تبليغ دعوته والتأثير بشريعته تأثيرا في واقع الحياة. الأمر الذي لا يتلاءم وسحر السحرة غير المفلحين ولا موفّقين في مسيرتهم المنحرفة بل مكدودين عاجزين أذلّاء ومساكين حقراء.
هذا هو منطق القرآن ونظرته القاطعة بشأن السحر والسحرة ، لا واقع له ولا تأثير خارج إطار الدسائس الخبيثة. وأن لا قدرة لساحر ولا هيمنة على سكّان الأرض السفلى فكيف بالسلطة على سكّان السماوات العلى. فلا نجاح لهم في عمل ولا حظّ لهم في سعادة الحياة.
* * *
ثمّ فلنفرض أنّ جاهلية العرب كانت تعتقد بحقيقة السحر عقيدة جاهلية بائدة ، لكن هل هناك شاهد على أنّ القرآن وافقهم أو جاراهم على تلك العقيدة الباطلة؟ فلننظر في الموارد التي أخذوها شواهد على زعم الموافقة أو المجاراة ، وهي ثلاثة موارد : سحرة فرعون ، سحرة بابل ، النفّاثات في العقد. نبحث عنها على الترتيب :
سحرة فرعون
ممّا أخذوه شاهدا على ذلك سحرة فرعون ، حيث يقول عنهم القرآن : (وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ). (٤)
__________________
(١) الحجر ١٥ : ٤٢ ؛ الإسراء ١٧ : ٦٥.
(٢) طه ٢٠ : ٦٩.
(٣) يونس ١٠ : ٧٧.
(٤) الأعراف ٧ : ١١٦.
