ينامون في «زنزانات» مظلمة كريهة الرائحة تعيث فيها الحشرات والفئران ، فيلقون فيها عشرات عشرات قد يبلغون خمسين في الزنزانة الواحدة ـ بأصفادهم ـ فلا يتاح لهم حتّى الفراغ الذي يتاح بين بقرة وبقرة في حظيرة الحيوانات.
ذلك كان الرقيق في العالم الروماني. ولا نحتاج أن نقول شيئا عن الوضع القانوني للرقيق عندئذ ، وعن حق السيّد المطلق في قتله وتعذيبه واستغلاله دون أن يكون له حقّ الشكوى ، ودون أن تكون هناك جهة تنظر في هذه الشكوى أو تعترف بها ، فذلك لغو بعد كلّ الذي سردناه.
ولم تكن معاملة الرقيق في فارس والهند وغيرها ، تختلف كثيرا عمّا ذكرنا من حيث إهدار إنسانيّة الرقيق إهدارا كاملا ، وتحميله بأثقل الواجبات دون إعطائه حقّا مقابلها ، وإن كانت تختلف فيما بينها (الرومان والفرس والهند) قليلا أو كثيرا في مدى قسوتها وبشاعتها.
وإذا كان هذا شأن الرقيق في بلاد متحضّرة ، فكيف يا ترى شأنه في أوساط متأخّرة ، في مثل الجزيرة المتوغّلة في جهالة العماء والغيّ والفساد. كان يعيش أحدهم على حساب دمار الآخرين وكان ذلك مفخرا لهم. يقول أحدهم :
|
أبحنا حيّهم قتلا وأسرا |
|
عدى الشمطاء والطفل الصغير! |
وكفى لشناعة حالتهم الاجتماعيّة ، وأد البنات (١) وقتل الأولاد مخافة الإملاق ، (٢) وأشنع من الجميع : التعيّش على حساب بغاء الفتيات. (٣)
ففي مثل هذا المجتمع الذي يعيش الأسياد على حساب إكراه الفتيات (الأرقّاء) على البغاء وارتكاب الفحشاء ، جاء الإسلام ليكافح ، فمن أين يكافح ، وكيف يكافح؟
جاء الإسلام ليردّ لهؤلاء البشر إنسانيّتهم المغتصبة منذ عهد سحيق!
جاء ليقول للسّادة عن الرقيق : أنتم وهم سواء (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ). (٤) وقال يوم الفتح
__________________
(١) التكوير ٨١ : ٨.
(٢) الأنعام ٦ : ١٥١ ؛ الإسراء ١٧ : ٣١.
(٣) النور ٢٤ : ٣٣.
(٤) وردت الآية بشأن نكاح الإماء في عرض نكاح : الحرائر. (النساء ٤ : ٢٥).
