والآيات التالية لها توضّح من هذه الحكمة أكثر توضيحا :
(ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً. الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً. ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً). (١)
ونلفت النظر هنا نكتتان : الاولى : أنّ الذي كان يخفيه النبيّ في نفسه وأبداه الله ، كان علمه صلىاللهعليهوآله بمآل الأمر وأنّ هذا الزواج سينتهي إلى الفراق ، تمهيدا لتحقيق حكمة اخرى دبّرها الله تعالى في تحكيم شريعته في الأرض.
والنكتة الثانية : كانت خشيته صلىاللهعليهوآله هي خوف أن تثور ثائرة الجاهلية الاولى ، فلا تتحمّل العرب نقض عاداتها الموروثة واحدة تلو اخرى ، وكانت ضربة قاضية على عاداتها التي جرت عليها آباؤهم الأوّلون. ومن ثمّ طمأنه تعالى ووعده بظهور دينه وهيمنته على كلّ طريقة أو عادة تكاد تعرقل سبيله إلى شريعة الله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ). (٢) (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ). (٣) (وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ). (٤) (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ). (٥)
تحرير الرقيق تدريجيا
وهكذا الأمر بشأن ملك اليمين ، أقرّه الإسلام في ظاهر الحال ، ولكن قرينا مع تمهيدات تزعزع من دعائمه وتجعله على شرف الانهيار.
جاء الإسلام ، والرّقّ نظام معترف به في جميع أنحاء العالم ، بل كان عملة اقتصاديّة واجتماعيّة متداولة ، لا يستنكرها أحد ، ولا يفكّر في إمكان تغييرها أحد. لذلك كان تغيير هذا النظام أو محوه أمرا يحتاج إلى تدرّج شديد وزمن طويل. وقد احتاج إبطال الخمر إلى
__________________
(١) الأحزاب ٣٣ : ٣٨ ـ ٤٠.
(٢) التوبة ٩ : ٣٣ ؛ الصفّ ٦١ : ٩ ؛ الفتح ٤٨ : ٢٨ ؛ والسور الثلاث مدنيّات ، وفي الأخيرة : وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً.
(٣) الحجر ١٥ : ٩.
(٤) النحل ١٦ : ١٢٧ ؛ وفي سورة النمل ٢٧ : ٧٠ : «ولا تكن ...».
(٥) المائدة ٥ : ٦٧.
