تطليقها ، فكان النبيّ يجيبه : (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ). (١) ولعلّه أيضا كان يشيء إليها في معاشرته معها غير المتناسبة لشأنها ، الأمر الذي يشي إليه الأمر بتقوى الله. لكنّ زيدا لم يطق الصبر معها حيث بعد الشقّة بين خلقهما فطلّقها.
وكان النبيّ صلىاللهعليهوآله يعلم بهذه العاقبة ، وأنّ وراءها حكمة اخرى يجب تنفيذها لإبطال عادة جاهلية اخرى كان عليها العرب. كانوا يدينون بشأن الأدعياء أنّ لهم اتّصالا بالأنساب من إعطائهم جميع حقوق الأبناء وإجراء أحكامهم عليهم حتّى في الميراث وحرمة النسب. أمّا الإسلام فلم يكن يرى للمتبنّي واللصيق سوى حقّ المولى والأخ في الدين لا أكثر (وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ). (٢)
فهنا يأتي دور إبطال هذه العادة الجاهلية إبطالا عمليّا ، والمترشّح لهذه التفدية أو التضحية هو نفس النبيّ الكريم عليه وعلى آله أفضل صلوات المصلّين ، إذ لم يكن من العرب من يستطيع أن يقوم بهذه التضحية وينقض بها تقاليد الأجيال السالفة! سوى محمد نفسه الذي كان على قوّة عزيمة وعميق إدراك لحكمة الله.
هذا ما كان النبيّ يعرفه بقوّة فطنته ، وأن سيئول إلى ذلك ، ولكن كان كلّما يراجعه زيد بشأن تطليق زينب يوصيه بالإمساك بزوجه ، وهو يدري في قرارة نفسه أنّه يطلّقها لا محالة ، وأن سوف يؤمر بالتزوّج منها ، وكان يخفي ذلك في نفسه وما كان يبديه (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ. وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ) أي سوف يبدو أنّ وراء هذه التطليقة حكمة اخرى يجب إجراؤها. (وَتَخْشَى النَّاسَ) في إبداء ما يكنّه صدرك من معرفة حكمة الله. (وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً). (٣)
__________________
(١) الأحزاب ٣٣ : ٣٧.
(٢) الأحزاب ٣٣ : ٤ و ٥.
(٣) الأحزاب ٣٣ : ٣٧.
