حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ). (١)
يعنى : أنّ هذه الوصيّة من الله نافذة لا مجال للتخلّف عنها ، لأنّها تبيين لحدود الله التي من تعدّاها فسوف يدخله نارا وله عذاب مهين. والعذاب المهين هنا إشارة إلى أنّ المتجاوز لحريم الشريعة قد أطاح بكرامة نفسه وسقط حيث مستوى المهانة الفظيعة.
أفبعد هذا التأكيد على الأخذ بما أوصى الله بشأن الميراث يتجرّأ ذو مسكة على التلاعب بنصّ الكتاب ، اللهمّ إلّا إذا فقد وعيه.
ثم الذي يفضح من موضع هذه المزعومة ، أنّ لفظة الإيصاء بتصاريفها كلّها جاءت في القرآن بمعنى الإلزام والإيجاب. (٢) قال ابن منظور : وقوله عزوجل : (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ) معناه : يفرض عليكم ، لأنّ الوصيّة من الله إنّما هي فرض. والدليل على ذلك قوله تعالى : (قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ)(٣) وهذا من الفرض المحكم علينا. (٤)
وأمّا المزعومة الأخيرة فهي بمكان الوهن ، بعد أن كان الأصل في التشريع هي الأبديّة والشمول ، أخذا بعموم الخطاب وشمول إطلاقه لجميع الأجيال والأحوال والأزمان ، وهي قاعدة اصولية مطّردة. وإلى ذلك ينظر قوله عليهالسلام : «حلال محمد حلال أبدا إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة». (٥) اللهمّ إلّا إذا ثبت بدليل خاصّ أنّ الحكم الذي أصدره النبيّ صلىاللهعليهوآله كان لمصلحة استدعاها سياسة التدبير الحاضرة حينذاك فيبقى قيد تلك الشرائط ولا يعمّ ولا يستديم على الإطلاق. وهذا بحاجة إلى دليل قاطع يخرجه عن عموم الأصل المتقدّم. على أنّ ذلك خاصّ بالأحكام الصادرة عن مقام السياسة النبوية وتكون من سننه ، لا من فرائض الله الناصّ عليها في الكتاب. فالذي جاء
__________________
(١) النساء ٤ : ١٢ ـ ١٤.
(٢) راجع : البقرة : ١٣٢ ، الشورى : ١٣ ، الأنعام : ١٥١ ـ ١٥٣ ، النساء : ١٣١ ، الأحقاف : ١٥ ، وغيرها.
(٣) الأنعام ٦ : ١٥١.
(٤) لسان العرب لابن منظور ، ج ١٥ ، ص ٣٩٥.
(٥) راجع : الكافي ، ج ١ ، ص ٥٨ ، رقم ١٩.
