في القرآن الكريم جاء بلفظ التوصية : (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) ، (١) والإيصاء ترغيب في الأمر وليس فرضا واجبا. ولعلّ الشرائط الزمنية حينذاك كانت تستدعي هذا التفاضل المندوب إليه ولكن في وقتها ، الأمر الذي لا يحتّم الحكم لا بصورة فرض ولا بشكل دائم على الإطلاق!
قالوا : واليوم ، حيث تغيّرت الشرائط وتبدّلت الأحوال البيئية والاجتماعية العامّة فلا أرضيّة لهذا التفاضل ولا هو يتناسب مع الأوضاع الراهنة المتغايرة مع الوضع القديم. لا سيّما والأمر لم يكن فرضا بل مجرّد ندب ، فلا مقتضى في الوقت الحاضر للأخذ بهذا الأمر الذي كان راجحا في ظرفه ولا رجحان له اليوم!
وقائل آخر : إنّه على فرض إرادة الفريضة لكن التداوم لا مجال له بعد ملاحظة رهن أحكام الشريعة ـ في قسمها المتغيّر ـ بأوقاتها وظروفها الخاصّة حيث المصالح المقتضية حينذاك والمنتفية في الحال الحاضر.
هذا القائل يرى من أحكام الشريعة على نوعين : ثابتة ومتغيّرة. فالثابتة هي التي أصدرها صاحب الشريعة بشكل عامّ شامل أبدي حيث ابتنائها على مصالح هي ثابتة لا تتغيّر مع الأبد وفي جميع الأحوال ومختلف الأوضاع ، وذلك في مثل العبادات. الأمر الذي يختلف الحال فيه في مثل المعاملات والانتظامات ، المتقيّدة بمصالح هي وقتيّة وفي تحوّل على مسرح الحياة. ففي هذا تكون الاصول ثابتة أمّا الفروع والتفاصيل فهي رهن شرائط الزمان ، فيجوز التصرّف فيها حسب المقتضيات المؤاتية ولكن في ضوء تلك الاصول ومع الحفاظ عليها جذريّا فحسب!
قلت : أمّا المزعومة الأولى فهي مخالفة صريحة لنصّ الكتاب العزيز. حيث تبتدئ آيات المواريث بلفظة الإيصاء ، وتنتهي بما يجعل من هذا الإيصاء فرضا من الله لا مجال للتخلّف عنه (وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ. تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ
__________________
(١) النساء ٤ : ١١.
