ولكن مع ذلك قد نجد في القرآن مواضع فيها بعض المرافقة مع القوم؟!
فقد كانت العرب ترى من الملائكة إناثا وأنّهنّ بنات الله سبحانه : (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ. أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ. أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ. ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. أَفَلا تَذَكَّرُونَ). (١)
فجاء التشنيع في هذه الآيات من ناحيتين : أوّلا زعموا من الملائكة إناثا ، وثانيا أنّهنّ بناته تعالى من صلبه وأنّه تعالى ولدهنّ!
وجريا مع عادة العرب في الازدراء بشأن البنات يستنكر عليهم : كيف اصطفى البنات على البنين؟! (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى)(٢) أي قسمة غير عادلة (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ. وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ. أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ). (٣)
وفي هذه الآية جاء الفارق بين الذكر والانثى ناشئا من جبلّتهما ، لتكون المرأة بدافع من فطرتها الانوثية تنجذب إلى الزبارج أكثر من اهتمامها بواقعيّات الامور. ومن جانب آخر هي ذات طبيعة رقيقة لا تتقاوم تجاه الكوارث ، فتنفعل فور اصطدامها بمضطلمات الحوادث ، فهي بذات فطرتها ونشأتها. غير صالحة لمقابلة شدائد الحياة وعاجزة عن حلّ متشابك المعضلات. فقد جمعت بين الظرافة والضعف ، على عكس الرجل الذي يملك صلابة وقوّة إرادة.
ومن ثمّ تعقّبت الآية بالاستنكار على مزعومتهم في الملائكة أنّهم إناث : (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ). (٤)
وقد عبّر القرآن عن الملائكة بصفة الذكور : (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ. وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ
__________________
(١) الصافّات ٣٧ : ١٤٩ ـ ١٥٥.
(٢) النجم ٥٣ : ٢١ و ٢٢.
(٣) الزخرف ٤٣ : ١٦ ـ ١٨.
(٤) الزخرف ٤٣ : ١٩.
