هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا ...). (١) والضمائر كلّها جمع ذكور ، وهكذا في سائر مواضع القرآن. (٢)
ومن ثمّ وجّه إليهم التوبيخ اللاذع : (أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً). (٣)
كلّ ذلك إن دلّ فإنّما يدلّ على ازدراء بشأن الأنثى ، جرى عليه العرب وجاراهم القرآن.
لكن ليس في شيء من هذه التعابير اللّاذعة الموبّخة للعرب أيّ تعيير أو شائنة بشأن المرأة في ذات نفسها ، لا تصريحا ولا تلويحا. وإنّما توجّه التشنيع على العرب بالذات في نظرتهم الخاطئة بشأن الملائكة ، وانّهم إناث ، وبنات لله سبحانه (إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللهُ). (٤) وأنّ ولده بنات. (٥) ومن ثمّ يسمّون الملائكة تسمية الأنثى. (٦) الأمر الذي يدلّ على سفاهة عقولهم وغاية جهلهم بما وراء ستار الغيب. ذلك مبلغهم من العلم وإن هم إلّا يخرصون.
والذي يبدو عليه أثر السفاهة أنّهم نسبوا إلى الله ما يكرهونه لأنفسهم ، فجعلوا لأنفسهم المفضّل من الولد ، وأمّا المشنّع فجعلوه لله سبحانه. وهي قسمة غير عادلة حتّى في غياهب أوهام الخيال.
فكان موضع التشنيع هو هذا التقسيم غير العادل حتّى في مفروض الأوهام ، الأمر الذي ليس فيه أيّ تقرير للتفضيل المزعوم أو اعتراف به في واقع الأمر! فلم تكن هناك مجاراة ، وإنّما هي منابذة صريحة على اصول الجدل في محاورة الكلام.
* * *
__________________
(١) البقرة ٢ : ٣٠ ـ ٣٤.
(٢) وسنتكلّم عن مواضع جاء التعبير فيها بالتأنيث في مثل المدبّرات ونحوها.
(٣) الإسراء ١٧ : ٤٠.
(٤) الصافّات ٣٧ : ١٥١ و ١٥٢.
(٥) الزخرف ٤٣ : ١٦ ـ ١٨.
(٦) النجم ٥٣ : ٢٧.
