فلنفرض أنّ لفظة «الخلق» إنّما وضعت للصفات والملكات النفسية لما كانت جاهليّة العرب تعتقد أنّ للصفات النفسية منشأ في الخليقة الاولى ، والإنسان مجبول عليها ومسيّر في حياته وفق ما فطر عليه. تلك عقيدة جاهلية بادت ولكنّ التسمية دامت. والمستعملون اليوم لا يريدون هذا المعنى قطعيّا. وهكذا فيما جاء استعماله في القرآن ، فإنّها مجاراة في الاستعمال وليس اعترافا بما تحمله اللفظة من مفهومها الأوّلي البائد.
٢ ـ خطاب القرآن عامّ
القرآن وإن كان واجه العرب في وقته لكنّه خاطب الناس عامّة عبر الأجيال. فقد واجه العرب وخاطبهم بلسانهم وعلى أساليب كلامهم المعهودة لديهم وذلك لغرض التفاهم معهم حينذاك (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ). (١) لكن هذا لا يعني الاختصاص بعد أن كانت الرسالة عامّة والخطابات شاملة.
جاءت في القرآن تعابير قد يبدو من ظاهرها الاختصاص لكن في طيّها مفاهيم عامّة تشمل جميع الناس في جميع الأزمان. الأمر الذي جعل من القرآن دستورا عامّا لكافّة الامم وفي كلّ الأدوار. وكذا الأمثال والحكم الواردة في القرآن لا تتركّز على ذهنيّات العرب خاصّة وإنّما على ذهنيّات يتعاهدها جميع الامم عبر الأيّام ، حتّى في مثل «الإبل» جعلت عبرة لا للعرب خاصّة وإنّما هي للعموم بعد أن كانت منبثّة على وجه الأرض يعرف عجائبها كلّ الناس.
وهكذا جاءت أوصاف نعيم الآخرة وشديد عقوباتها على معايير يتعاهدها الجميع وليس عند العرب خاصّة ، حسبما نبيّن.
قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «ما من آية في القرآن إلّا ولها ظهر وبطن». سئل الإمام الباقر عليهالسلام عن ذلك ، فقال : ظهره تنزيله وبطنه تأويله. (٢) وعنى بالتنزيل : ظاهر الآية حيث
__________________
(١) إبراهيم ١٤ : ٤.
(٢) تفسير العيّاشي ، ج ١ ، ص ١١.
