لبقاء مدار الأمر والنهي الذي هو النفس الإنسانية المختلفة المراتب.
وتواصي بالصبر في أوائل الأمر ، وهو حال المبتدئ ، وبالشكر في أواسطه ، وهو حال المتوسط ، وبالفناء عن كل منهما في أواخره ، وهو حال المنتهي ، فبالصبر يصير الحضرم حلوا ، والمرّ سكرا ، فاصبر كما صبروا ؛ تظفر كما ظفروا ، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين : أي اليقين المطلق الذي لا يقين فوقه ، وإليه الإشارة بقوله صلىاللهعليهوسلم : «اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي ، ويقينا ليس بعده كفر» (١) ، رحمنا الله تعالى وإياكم بذلك.
٢٨ ـ في المتفق عليه بين البخاري ومسلم : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ؛ فهو في سبيل الله» (٢) :
إرشاد عظيم للسالكين إلى ما يحصل به الفتوح الإلهية ، والوصول إلى مقام القرب والوصال ، وحاصله إن من قاتل نفسه التي هي أعدى الأعداء ؛ ليكون التوحيد الروحاني ساريا في الطبيعة ، وقواها ؛ فيكون الدين القلبيّ عاليا على الدين الذي يدعوا إليه النفس والشيطان ؛ فهو فقط في السبيل الموصل إلى سر الله تعالى.
وأمّا من قاتل شيء من الأغراض السالفة ، أو العالية دون الله تعالى ؛ فهو في سبيل ما سوى الله ، والطريق إذا أوصل إلى الكون ؛ فهو ليس بطريق ؛ بل الطريق هو ما يوصّل إلى الله تعالى فوق الكون ؛ بل فوق عالم العلم ؛ لأن العلم من الإضافات أيضا ؛ فقد ظهر من هذا أن أهل الوقفة إنما وقفوا في الطريق ، ولم ينته بهم ذلك إلى المقصد ؛ لفتور عزائمهم ، وقصور نيّاتهم وقصودهم ، فلا بد لأهل الإخلاص من قطع الأماني أية أمنية كانت ؛ بل من مطلق الطلب ؛ لأنه من الإضافات ؛ لكن لا يظهر حقيقة هذا المقام إلا لأهل النهاية.
وغاية ما في الباب أن ههنا أمرين :
أحدهما : ما يرجع إلى جانب الحق تعالى.
والآخر : إلى جانب العبد.
__________________
(١) رواه الطبراني في الأوسط (٦ / ١١٨) ، وذكره الهيثمي في الزوائد (١٠ / ١٨١).
(٢) رواه البخاري (١ / ٥٨) ، ومسلم (٣ / ١٥١٢).
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
