وفي قوله : (ثم) : إشارة إلى تفاوت ما بين صيام رمضان ، وست شوال ؛ لأن الفرض : إشارة إلى الوجود الحقيقي الوجوبي القدمي ، والنفل : إشارة على الوجود الخلقي الإمكاني الحدودي ، وتخصيص شوال إشارة إلى ارتفاعه عن شهور السنة بمزيد فضل يختص به ؛ وهو التجلّي الذاتي الذي وقع لنبينا صلىاللهعليهوسلم ليلة القدر ، فاستمر إلى ست من ذلك الشهر.
فكان شهر رمضان الذي هو ثلاثون يوما كل يوم منه ألف سنة عند الله تعالى بمنزلة ثلاثمائة ألف سنة ، وست شوال بمنزلة ستين ألف سنة ، فالمجموع ثلاثمائة ، وستين ألف سنة ؛ وهي من عمر الدنيا من أولها إلى آخرها ، وعمر آدم منها جمعه من جمع الآخرة ؛ وهي سبعة آلاف سنة ، فكان الست منها إشارة إلى عمر الأمم المتقدمة ، وجعل تابعا لعمر هذه الأمة المرحومة ؛ لقوله صلىاللهعليهوسلم :
«نحن الآخرون السابقون» (١) فهم متأخرون صورة ، متقدمون معنى ؛ لتقدمهم في الأرواح ، وفي دخول الجنة أيضا ؛ ليتطابق الأبد بالأزل.
وأمّا الأمم الماضية فهم متقدمون صورة وشبحا ، متأخرون معنى وروحا ؛ لتأخرهم في الأرواح ، وفي دخول الجنة أيضا ؛ ليتوافق الأبد بالأزل أيضا ، فمدة هذه الأمة جامعة لمدد الأمم الخالية ، ومن قبلهم إلى أول الزمان ؛ وهو زمان الكون والحدوث ، فكان من عناية الله تعالى بهذه الأمة أن جعلهم أمة وسطا ، فكان من آثار
__________________
ـ فتلك فرحة حلول البركة ، وزكاة الجسد ، وذلك بحلول البركة بفرحه ؛ لأنه قد زال عنه ثقل النفس.
قال النبي صلىاللهعليهوسلم : «وفرحة عند لقاء ربه» حين يري ثوابه.
فأمر العبد أن يصوم شهرا ، ويصوم بعده ستة من شوال حتى يكون الدهر كله صائما ؛ لأن الحسنة بعشر.
فثلاثون يوم بثلاثمائة سنة ، وستة أيام بستين يوما ، فإذا كان محسوب عمره في الصوم على ما ذكرنا ؛ كانت البركة حالة به جارية عليه ، فمن رغب في تلك السّنة ، فإنما طلب للنفس دوام هذه البركة ؛ ليكون جسده بما فيه زاكيا ناميا. وانظر : إثبات العلل (ص ٩٤) بتحقيقنا.
(١) تقدم تخريجه.
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
