__________________
ـ وسمّاه رسول الله صلىاللهعليهوسلم : الغذاء المبارك فسمّي هذا صوما».
والصوم هو : الكفّ عن عادة تعتادها ، فإذا منعت النفس تلك العادة ، اشتد عليها ، فكان في ذلك تسليم الجسد إلى الله ـ تعالى ـ لأن النفس إذ مالت إلى الشهوات فقد مالت بأركانها عن الله ـ تعالى ـ إلى دنياها ، فعلى قدر الميل عن ـ الله ـ تعالى والتباعد عنه تنقص البركة ، وتنزوي عنه ، وإذا انحلت البركة عن شيء قلّت وذلّت ، وصارت مدخولة ، وإذا مالت إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ بمنعها عادتها وشهواتها ازدادت قربة إليه ، وإذا ازدادت قربه إليه حلت بها البركة ، فإذا حلت البركة زكت وربت ، والزكاة : النمو ، والاحتشاء من الخير والازدياد.
والآدمي خلق أجوف ، ووضع في جوفه الإيمان ، والعلم ، والحكمة ، والعقل ، والفهم ، والسكينة ، والوقار ؛ وهذه كلها جنود القلب ، والرغبة ، والرهبة ، والشهوة ، والغضب ، والمكر ، والحرص ، والجبن ، والبخل في ناحية ؛ وهذه كلها جنود النفس ، فإذا امتنع من عادة النفس ، كان في ذلك بذل النفس لله ـ تعالى ـ والتسليم إليه ، فإذا قبلها زكت بما أعطيت من الإيمان ، والعقل ، والعمل ، وما ذكرنا من الخيرات ، ووفرت فصار هذا الصوم زكاة الجسد.
ألا ترى أن الصائمين كيف يجدون لذة العبادة ، وكيف يجدون نفوسهم ساكنة هادئة ، ومن هاهنا قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «إن لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصيام».
فإذا صام ؛ حلّت البركة ونما فيه كلّ شيء من الخير ، واحتشى ، وازداد فضلا بحلول البركة ، فإذا امتنعت البركة من هذه الأشياء ؛ بقيت كلها معطّلة لا تعمل شيئا وكأن الله ـ تعالى ـ جعل هذا الصوم سببا لحلول البركة ؛ فربا وزكا ونما كل خير فيه ، واحتشت النفس من الخير ، وقد عظّم ربنا ـ تعالى ـ فعل هذا العبد حيث منع نفسه هذه العادة.
فروي لنا في الخبر أن رسول صلىاللهعليهوسلم قال : «يقول ـ الله ـ تعالى : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، عبدي يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ، وللصائم فرحتان : فرحة عند فطره ، وفرحه حين يلقى الله تعالى».
فهذا موافق لقوله عزوجل : «إن تقرّب إليّ عبدي شبرا تقرّبت منه ذراعا» شكرا له هذا القدر حيث مال إليه وترك طعامه وشرابه ساعات من النهار حتى يحكي فعله في الملإ الأعلى ، فيقول :
«عبدي ترك طعامه وشرابه من أجلي» ، ثم يقول : «هذا لي وأنا أجزي به» أي : لا أكل ثوابه إلى غيري.
وإنما صارت الأعمال له ، وهذا لله ؛ لأن نيّته وإضماره على أن يمنع نفسه عادة اعتادها ، وليس هو بفعل الأركان.
ثم قال النبي : «للصائم فرحتان : فرحة عند فطره».
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
