فضلهم أن جعل الله تعالى صوم ستة وثلاثين يوما بمنزلة صوم الدهر ؛ وهو الزمان المطلق الساري في ثلاثمائة وستين ألف ؛ فكانوا كأنهم صاموا من أول الدهر إلى آخره ، وإن لم يبلغ أعمارهم تلك المدة ؛ لأن الفضل إنما هو بالحكم لا بالعمر ، فهذا سر التضعيف في الحديث.
ومن لم ينتبه له ؛ جعل الدهر بمعنى السّنة ، وفيه أيضا قوله تعالى : (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) [الأنعام : ١٦٠] يستدعي أن يكون صوم كل يوم : أي يوم كان مجزيا بالحسنات العشر فلا يبقى لتخصيص رمضان فائدة ، ثم إن فضل الزمان ليس بذاتي ؛ بل إنما هو لّما وقع فيه من التجلّي الذاتي الساري سره إلى ما قبله وما بعده ؛ لأنه كما أن للتجلي الذاتي أحديته ، فكذا للدهر ؛ لأنه في الحقيقة عبارة عن الآن الغير المنقسم.
٢٤ ـ في مسلم : «منّ صام رمضان».
: أي شهر رمضان لما ورد في الأثر : «لا تقولوا جاء رمضان ؛ فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى» (١) ؛ والمراد بصيامه : الإمساك فيه بشروطه الظاهرة والباطنة حتى يكون صوما كما يقتضيه الشريعة ، والطريقة ، فإن الأجر الموعود الآتي لا يترتّب إلا على ذلك.
قال صلىاللهعليهوسلم : «ثم أتبعه ستا من شوال» ؛ في ثم : إشارة إلى فضل الاتّباع المذكور ، ووجه العدد : إن التجلّي الذاتي الذي وقع لنبينا صلىاللهعليهوسلم ليلة القدر استمر إلى الست من شوال ؛ فكانت الست في حكم شهر رمضان ، فإن ليلة القدر في الحقيقة ، ويوم العيد عبارة عن : الزمان الذي يتشرّف فيه العبد بألطاف الله الخفية.
فكل ليلة وقع فيها التجلّي الذاتي لباطن العبد فهي ليلة القدر ، ثم الأفضل عند أهل الحقيقة وصل الإمساك بيوم الإفطار الذي هو يوم العيد ، كما يقتضيه أيضا ، ثم إذا حملت على التراخي وتنكير ست فاعرف ؛ ففيه دليل لكل من ينتحي الاستدلال.
__________________
(١) رواه البيهقي في الكبرى (٤ / ٢٠١) ، والديلمي في الفردوس (٥ / ٥٢).
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
