علمه من ذاته لا من خارج ، وبسبب جلي أو خفي ؛ كما هو علم الناس.
فالناس لا يعرفون إلا بتعريف الله تعالى ؛ فينحصر علومهم في مرتبة التعريف ، فادّعاء علم الغيب إن كان من مرتبة التعريف الالهي ؛ لم يضره ، وإن كان ادّعاه مطلقا كان كافرا ؛ لأنه ادّعاء المشاركة مع الله تعالى في صفته الخاصة به ، فإذا كان هذا حاله في الكفر ؛ كان حال من اعتقده كذلك ، ومن هذا التقرير علم أن الإنسان محل التعريف الإلهي ؛ ولذا من قال : إن نبي الله لا يعلم الغيب ؛ فقد أخطأ فيما أصاب ؛ لأن الله تعالى قال : (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ) [الجن : ٢٦ ، ٢٧](١).
__________________
(١) قال ابن ناصر الكيلاني رضي الله عنه : فعلم المحقّقون من خاصته ، والمعتني بهم من أهل قربه وكرامته بما كشف لهم ، وأطلعهم عليه من أسرار وجوده أولا ، وبما أخبر ثانيا : أنّ المراتب وإن كثرت فإنّها ترجع إلى هاتين المرتبتين ؛ وهما الغيب والشهادة والحقيقة جامعة بينهما ، فكل شيء له ظاهر ، فهو صورته وشهادته وباطن ، وهو روحه وغيبه.
فنسبته جميع الصور على اختلاف أنواعها الخفيّة والجليّة إلى الاسم الظاهر المنعوت بالشهادة ، ونسبة جميع المعاني والحقائق المجرّدة ؛ التي هي أصول لما ظهر من الصور الجزئيّة المتعيّنة ، أو أسباب وشروط كيف شئت؟ قلت : إلى الغيب والاسم الباطن ، فإذا عرفت هذا. فاعلم أنّ العالم عالمان ما ثم ثالث عالم يدركه الحس وهو : المعبّر عنه بالشهادة ، وعالم لا يدركه الحس وهو : المعبّر عنه بعالم الغيب المطلق.
فإن كان مغيّبا في وقت للحسّ فلا يسمّى ذلك غيبا ، وإنّما الغيب ما لا يمكن أن يدركه الحس أصلا ؛ لكن يعقل بالعقل ؛ إمّا بالدليل القاطع ، وإمّا بالخبر الصادق وهو إدراك الإيمان ، فالشهادة مدركها الحس وهو طريق العلم ما هو عين العلم ، وذلك يختص بكل ما سوى الله ممن له إدراك حسّي ، والغيب مدرك العلم عينه فافهم.
فهذا الغيب الذي أثبتناه : هو الغيب المطلق الحقيقي الذي لا يظهر لأحد أصلا ولا لمن ارتضى من رسول ؛ لأنه حضرة ذاته وهويته تعالت وتقدّست عن أن يحاط وأن يتعلّق بها بها الإدراك أصلا من حيث هي هي ، فإنه من المتفّق عليه أن حقيقته لا تحاط بالعلم ولا تتقيّد بالوصف ، سبحانك! ما عرفناك حق معرفتك.
وهذا القدر من المعرفة المتعلقة بهذا الغيب المطلق ؛ إنما هي معرفة إجماليّة حاصلة بالكشف الأجليّ والتعريف الإلهيّ الأعلى الذي لا واسطة فيه غير نفس التجلّي المتعيّن من هذه الحضرة الغيبيّة
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
