__________________
ـ المطلقة الغير متعينة ؛ فالغيب المتعلّق صار دليلا على الغيب المطلق ؛ لأنه الأصل ، فالمتعين منه دليل عليه من حيث غير متعين ، فكان هو الدليل والمدلول.
قال تعالى إشارة إلى هذا المقام : أي الغيب المتعين المقيّد عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا.
قال تعالى : (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً)[الجن : ٢٦ ، ٢٧].
وإنما قلنا بالغيب الحقيقي المطلق ؛ لأنه رضي الله عنه ذكره في الباب السابع والأربعين وأربعمائة من «الفتوحات» : إن له في نفسه ما لا يصح أن يعلم أصلا هو الذي له بنفسه المشار إليه بقوله : (اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) [آل عمران : ٩٧].
فقوله تعالى : (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ)[الحشر : ٢٢] أراد الغيب بالنسبة إلينا وإلا لا غيب له ، والذي هو غيب بالنسبة إلينا يكون علم الشهادة له تعالى ، أو نقول : إنه عالم الغيب أو عالم بأنه غيب لا يصح أن يعلم أصلا.
قال رضي الله عنه : وهذا الذي نبّهناك عليه من العلم بالله ما أظهرناه اختبارا ؛ ولكن حكم الخبر علينا ، فتحفّظ ولا تغفل عنه فإنه يعلّمك الأدب مع الله ، انتهى كلامه رضي الله عنه.
هذا هو الغيب الحقيقي وبقية الغيوب كلها إضافي ، فافهم.
فإن الإنسان إذا أراد إدراك الغيب والشهادة الإضافيين اللذين نحن بصدد بيانهما ، وأراد أن يتميّز في علميهما ، فينبغي ألا يقيّد نفسه إلا بالله وحده ؛ وهو التقييد الذاتي الذي لا يصح له الإنفكاك عنه جملة واحدة ؛ وهي عبوديّة صرفة محضة لا تقبل الحريّة أبدا.
فإذا قيّده بالله الذي (خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ)[عبس : ١٩ ، ٢٠] فلا يقف إلا في البرزخ وهو المقام المتوهّم بين عالم الشهادة والغيب مطّلعا على الطرفين ؛ كأصحاب الأعراف فلا يخرج منها شيء إلا وهو مطّلع عليه ، فإذا وقف في هذا المقام وهو محل العثور على الطرفين ، استشرف على الغيبين ؛ الغيب الذي يوجد منه ، واستشرف على عالم الشهادة ؛ لأنه إذا وقف في المقام المتوهّم على أنه معتنى به ؛ حيث شغله الله تعالى بمطالعة الانفعالات عنه تعالى ، وإيجاد الأعيان من قدرته تعالى ، واتّصافها بالوجود في حضرة إمكانها ، وما أخرجها منها ، ولا حال بينها وبين موطنها ، ولكنه كساها خلقة الوجود وحلّة الظهور ، فاتّصفت بهما بعد أن كانت موصوفة بالعدم مع ثبوت العين في الحالتين ، وبقي الكلام في ذلك الوجود الذي كساه الحقّ فيك الآمر ؛ وهو كالصورة التي في المرآة ما هي عين الرائي ولا غير عينه ، ولكنه المحلّ المرئي مع الرائي ، والمواجهة أعطت هذا الحكم الذي تراه ، فعلمت المرآة والرائي والصورة الحادثة بينهما ، فأدركت بالغيب الباطن
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
