ومن هذا القبيل كان فضيل بن عياض ؛ فإنه كان كلما قطع الطريق في أوائل حاله ، يقيد مقدار المال في دفتر ، واسم صاحبه وبلده حتى وفقه الله للتوبة ، وخرج عن عهدة الحقوق كلها ، فانظر إلى الربّ الكريم بماذا يعامل العبد من القرب ، وهو في بعده بعد؟ ومنه الرشاد لجميع العباد.
واعلم أن مرتبة الألوهية المفهومة من لا إله إلا الله ، ومرتبة العبودية الملحوظة من محمد رسول الله مرتبة واحدة في الحقيقة ، وإنما تميّزت إحداهما عن الأخرى بالتعينات والتنزلات.
ألا ترى أن هاء الجلالة هاء هوية غيبية بالنسبة إلى الله تعالى ، فإذا مدّ طرفه ظهر شكل الميم المحمّدي الذي هو شكل مرتبة الشهادة ؛ ولذا قارن الهاء الجلالي بالميم الجمالي ، إشارة إلى الارتباط بينهما ، وأنهما لا تمايز بينهما إلا المدّ المذكور وهو البسط الشهادي.
فمرتبة المحمّدية : مرتبة الرسالة الشهادية.
ومرتبة الأحمدية : مرتبة النبوية الغيبية الإضافية ، وفوقها مرتبة الأحدية الإطلاقية بطي الميم الإمكاني من البين ، فمحمد أحمد ، وأحمد أحد ، فقد تنزّل الأحد إلى مرتبة العقل الأول ، فكان أحمد ، وإلى مرتبة الشهادة ، فكان محمدا.
فإذا لا طريق إلى الله تعالى إلا محمدا صلىاللهعليهوسلم بجميع تعيناته ، وهو العلم في صورة العين ، والجمع في صورة الفرق والغيب ، والغيب في صورة الشهادة ، ومنها يعلم أن كونه صلىاللهعليهوسلم طريقا إلى الله تعالى إنما هو بالنسبة إلى المحجوب عن الجمع في الفرق ، وأمّا المكاشف الواجد فهو في عين الحقيقة.
ألا ترى أن داخل الحرم الإلهي لا يحتاج إلا آلة يعرف بها القبلة ؛ لحضور القبلة عنده ، فمعنى أن الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق أن كل نفس من أنفاس السالك طريق موصل إلى الله.
وأمّا الواصل فكل نفس منه ؛ إنما هو الله فهو في كل نفس في عين الهويّة ولمّا كان مقام الإطلاق الأحدي الذاتي الذي تفرّد به السابقون لا ينال إليه أصحاب التقييد إلا بإثبات طرق شتى من الأسماء الإلهية الجزئية ، تشعبت الطرق الحقة السالكة بالأسماء الاثنى عشر ، وذلك لم يكن في الصدر الأول بحسب المعنى.
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
