ثم لمّا كثر القاصرون عن إدراك الحقائق ، وتأخّروا عن الرياضات والمجاهدات التي عليها الصحابة والتابعون ؛ توسلوا إلى البواطن ، والحقائق بالأسماء ، والظواهر ؛ فكان الطريق الجلوني بالجيم خاتمة الطرق على سرّ صلىاللهعليهوسلم :
«نحن الآخرون السابقون» (١) ؛ فكان حال أهلها حال الصدر الأول في الاتّباع النبوي في الرياضة ، والمجاهدة من غير شغل كثير بالأسماء ؛ لأن هذا الشغل يطوّل الطريق إلى الله ، ويبعد المطلوب ، فيحتاج الطالب إلى أزمنه متطاولة إلى أن يخرج عن دوائر الأكوان ؛ لأن الأسماء الإلهية ناظرة إلى الحقائق الكونية ، ولا نهاية لفروع هذه الحقائق ، وربما لا يجد إلى من يشير إليه بالترقّي في المراتب الأسمائية ، فيبقى في البرزخ واقفا لا إلى وراء ولا إلى قدّام ؛ بل ربما يستحلي مقاما من المقامات الأسمائية ، فيظن أنه لا غاية وراءه ؛ فينقطع عليه الطريق.
ومن ثم قالوا : إن الآلام في هذه الطريقة أولى من اللذات ، ومن تقيّد باللّذّة قبل الوصول إلى المطلوب ؛ وقع في الألم في آخر الأمر ، فليكن أول فتوحاتك كشف سر الحياة السارية في جميع العوالم ، ثم الوصول ، ثم الوصال في مرتبة أو أدني الأحدية مع جميع مرتبة قاب قوسين الواحدية ، وقد رأينا من معاصرينا من يدّعي الأسرار في مراتبها ، وقد استمر من أول عمره إلى آخره على حالة واحدة إلى أن مات على تلك الحال ، والحكمة الإلهية لا تقتضى في أربعين سنة إلا الاستكمال من جميع الوجوه.
إن كان السالك مستعدا ؛ فيرجع بعد تلك المدة التي هي النهاية إلى البداية ، وإلا فلم يصلح حال العمر الكثير ، إذ من لم يهد الله ما له من هاد ، وربما يقع الفتنة بين الخلوتية بالخاء المعجمة ، وبين الجلوتية بالجيم من عدم تسليم أحديهما الأخرى ، وأمّا نحن فنقول : إن الجلوة بالجيم لا تحصل إلا بعد الخلوة ؛ فهي نهاية الخلوة.
فمن وصل من الخلوتية بالخاء المعجمة إلى نهاية المراتب ؛ فهو خلوني بالاسم ، جلوني بالمعنى ، ومن لم يصل من الجلوني بالجيم إلى غاية الغايات ؛ فهو جلوتي بالاسم ، خلوتي بالمعنى ، ؛ إذ لم يظهر بعد بالأوصاف الإلهية في مرتبة البقاء فكيف يكون
__________________
(١) رواه البخاري (١ / ٩٤) ، ومسلم (٢ / ٥٨٦).
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
