__________________
ـ وكلام العشاق في حال السكر يطوى ولا يحكى ، فلما خف عنهم سكرهم وردوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان الله في الأرض عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد ، بل يشبه الاتحاد مثل قول العاشق في حال فرط عشقه : أنا من أهوى ، ومن أهوى أنا.
وهذه الحالة إذا غلبت سميت بالإضافة إلى صاحب الحالة فناء ، بل فناء الفناء لأنه فني عن نفسه ، وفني عن فنائه ، فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك الحال ، ولا بعدم شعوره بنفسه ، ولو شعر بعدم شعوره كان قد شعر بنفسه وتسمى هذه الحالة بالنسبة إلى المستغرق بها بلسان المجاز اتحادا وبلسان الحقيقة توحيدا وانظر : «مشكاة الأنوار» لأبي حامد الغزالى ، و «شرح الإحياء» للشيخ مرتضى الزبيدي في أول نصفه الثاني وفي مبحث السماع.
وفي «لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام» للقاشاني بعد ما ذكر فيه الاتحاد وأنه يطلق ويراد به عدة معاني ما نصه : ومنها أن يراد بالاتحاد جميع الموجودات في الوجود الواحد من غير أن يلزم من ذلك ما يظن من انقلاب الحقائق أو حلول شيء في شيء ، بل المراد من ذلك أن كل ما سوى الحق سبحانه لا حقيقة له إلا بالحق سبحانه بمعنى أن الوجود الذي صار به كل موجود موجودا إنما هو الوجود الواجب ، وهذا منكر عند أرباب العقول المحجوبة بظلمة الأكوان ، فإنهم لا يشاهدون وجهه تعالى في الأشياء لوقوفهم معها ، وإلى وحدة الوجود المشترك بين جميع الماهيات المتكثرة أشار الأكابر بقولهم الوحدة للوجود والكثرة للعلم أي للمعلومات فإنها هي التي كثرت الوجود الواحد المظهر لها بها انتهى منه بلفظه.
وفيها أيضا ما نصه : وحدة الوجود ، يعني به عدم انقسامه إلى الواجب والممكن وذلك أن الوجود عند هذه الطائفة ليس ما يفهمه أرباب العلوم النظرية من المتكلمين والفلاسفة ، فإن أكثرهم يعتقد أن الوجود عرض ، بل الوجود الذي ظنوا عرضيته هو ما به تحقق حقيقة كل موجود ، وذلك لا يصح أن يكون أمره غير الحق عز شأنه انتهى المراد منه بلفظه أيضا.
وقال السعد في شرح المقاصد بعد أن أبطل الحلول والاتحاد ما نصه : وها هنا مذهبان آخران يوهمان الحلول والاتحاد وليسا منه في شيء.
الأول : السالك إذا انتهى سلوكه إلى الله ، وفي الله استغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته ويغيب عن كل ما سواه ولا يرى في الوجود إلا الله ، وهذا الذي يسمونه الفناء في التوحيد ، وإليه يشير الحديث الإلهى :
«فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به ، وبصره الّذي يبصر به».
وحينئذ فربما صدرت منه عبارات تشعر بالحلول والاتحاد لقصور العبارة عن بيان تلك الحال ، وتعذر
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
