__________________
ـ ٣ ـ أو بالأدلة الخطابية التي جرت العادة باستعمالها في المحاورات والمخاطبات الجارية في العادات.
المرتبة الثالثة : مرتبة إيمان العارفين ، وهو المشاهد بنور اليقين وفيها أيضا ثلاث مراتب.
الأولى : مشاهدة أن الوجود كله لله وأنه لا شريك له فيه أصلا لأن كل ما سواه إذا اعتبرت ذاته فهو من حيث ذاته لا وجود له بل وجوده مستعار من غيره ، ولا قوام لوجود المستعار بنفسه بل بغيره ونسبة المستعار إلى المستعير مجاز محض فإذا انكشفت هذه الحقيقة للعبد بنور اليقين علم أن الوجود كله له تعالى لا مزاحم له فيه أصلا وأن نسبته لغيره مجاز لا حقيقة.
الثانية : ترقى أصلها من حضيض المجاز إلى ارتفاع الحقيقة واستكملوا معراجهم فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إلا الله وأن كل شيء هالك إلا وجهه أزلا وأبدا لا يتصور فيه إلا ذلك لا أنه يصير هالكا في وقت من الأوقات لأن كل ما سواه إذا اعتبرت ذاته من حيث ذاته فهو عدم صرف ، وإذا اعتبرت من الوجه الذي يسري إليه الوجود من الأول فهو موجود لا من وجهه وذاته ، بل من الوجه الذي يلى موجده فيكون الموجود هو وجه الله فقط وحينئذ فلكل شيء وجهان وجه إلى نفسه ووجه إلى ربه فهو باعتبار وجه نفسه عدم ، وباعتبار وجه ربه موجود ، فإذا لا موجود إلا الله ووجهه كما قال : (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)[القصص : ٨٨] يعني فليس بهالك.
وهؤلاء يفتقروا لقيام القيامة ليسمعوا نداء الباري لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ، بل هذا النداء لا يفارق سمعهم أبدا ، ولم يفهموا من معنى قوله الله أكبر أنه أكبر من غيره حاش الله إذ ليس في الوجود معه غيره حتى يكون أكبر منه ، بل ليس لغيره رتبة المعية ، بل رتبة التبعية ، بل ليس لغيره وجود إلا من الوجه الذي يليه ، فالوجود وجهه فقط ، فمحال أن يكون أكبر من وجهه ، بل معناه أكبر من أن يقال له أكبر بمعنى الإضافة والمقايسة ، وأكبر أن يدرك غيره كنه كبريائه نبيا كان أو ملكا بل لا يعرف كنهه إلا هو تعالى.
الثالثة : أهلها بعد ما عرجوا إلى سماء الحقيقة ، ولم يروا في الوجود تحقيقا إلا الواحد الحق وأفعاله ، لكن منهم من كان له هذا الحال عرفانا علميا ، ومنهم من صار له ذلك ذوقا حاليا ، وانتفت عنهم الكثرة بالكلية استغرقوا في الفردانية المحضة واستلبت فيها عقولهم ، فصاروا كالمبهوتين فيها ، ولم يبق فيهم متسع لذكر غير الله ، ولا لذكر أنفسهم أيضا ، فلم يكن عندهم إلا الله ، فسكروا سكرا وقع دون سلطان عقولهم ، فقال أحدهم : أنا الحق.
وقال الآخر : سبحاني ما أعظم شانى.
وقال الآخر : ما في الجبة إلا الله.
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
