واعلم أن متعلّق نية الخواص : هو الحق تعالى ؛ فهم محسنون متقون مقربون ، ولهم النور التام يوم القيامة.
وإن متعلّق نية العوام : هو فضل الله ورحمته ، فهم عاملون أبرار مقربون ، ولهم الأجر التام يوم القيامة ، ومقام الأولين : جنة عرضها السماوات والأرض ؛ لاتساعهم وانشراحهم قلبا وصدرا ، ومقر الآخرين : جنات تجري من تحتها الأنهار ؛ لمتابعتهم العلوم أو سالتهم الدموع ، فأين الأجير المحجوب من المحسن المحبوب؟ فعليك بإعراب المطلوب (١).
__________________
(١) قال الحكيم الترمذي : «باب في شأن النية» : حدّثنا صالح بن عبد الله ، حدّثنا يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال يوما : «هل تدرون من المؤمن» قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : «المؤمن من لا يموت حتى يملأ الله مسامعه مما يحب ، ولو أن عبدا اتّقى الله في جوف بيت إلي سبعين بيتا ، علي كل بيت باب من حديد ، ألبسه الله رداء عمله ، حتى تتحدث الناس به ويزيدون» قالوا : وكيف يزيدون يا رسول الله؟ قال : «إن اتّقى ، لو استطاع أن يزيد في برّه لزاد ، وكذلك الكافر يتحدّث الناس بفجوره ويزيدون ، لو استطاع أن يزيد في فجوره لزاد».
وكان ثابت إذا حدّث بهذا الحديث يقول : فبلغني أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم كان يقول : «نيّة المؤمن أبلغ من عمله».
حدّثنا عمر بن أبي عمر عن نعيم بن حماد عن عبد الوهاب بن همام الحميري قال : سمعت وهبا يحدّث عن ابن عباس أن رجلا قال : يا رسول الله ما أفضل الأعمال؟ قال صلىاللهعليهوسلم : «النية الصادقة».
وحدّثنا عمر بن عمرو الربعي عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : لم نية المؤمن خير من عمله؟ قال : نية المؤمن لا يكون فيها رياء فيهدرها».
وحدّثنا عمر عن فهد بن مالك بن دينار قال : رأيت رجلا بمكة يقول : اللهم قبلت حجّاتي الأربع ، فاقبل هذه الحجة فتعجبت منه ، وقلت : كيف علمت أن الله قبلها منك؟ قال : أربع سنين كنت أنوي كل سنة أن أحج ، وعلم من نيتي ، وحججت من عامي هذا وأنا خائف أن لا يتقبّل منى ، فيؤمئذ علمت أن النية أفضل من العمل.
قال أبو عبد الله ـ رحمهالله ـ : وجدنا من طريق الاعتبار عند ما مثلنا بين النية والعمل أن العمل منقطع ، والنية دائمة.
وتصديقه في حديث ثابت عن أنس : «والعمل علانية والنية سرّ».
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
