قال : ومعنى الغربة أن ينسلخ عن كل صورة ومعنى وينقبض عن جميع الاستهالات والتنزلات ليبقى وحده.
قلت : هل شيء وراءها يكون مطمحا للعارف؟ قال : هي غاية الغايات ، ولا مطمح وراءها.
قلت : الغربة كحال النقطة حيث يضمحل عندها تفاصيل تعينات الحروف والكمالات والسطور ، قال : نعم وإنما يحصل ذلك فوق التعينات علمية أو عينية ، قال : وفقني الله من أسرار الحروف المقطعة على ما لا يوصف ، قال : إني ما وجدت علم الظاهر والباطن إلا بخدمة الشيخ ، وحسن الاعتقاد ؛ فإن تأثير الخدمة وحسن الاعتقاد فوق تأثير المطالعة والاجتهاد.
قال حضرة الشيخ : فسّر ابن عباس رضي الله عنه قوله تعالى : (رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) [طه : ١١٤] أي : إيمانا ويقينا بك (١) ، وهو أجل التفاسير وأدقها ، وذلك لأن علو الإيمان واليقين به دون غيره ، وهو أصعب الأمور.
قال حضرة الشيخ مخاطبا لهذا الفقير : كيف حالك؟ قلت : طيب.
قال : في السكون أو في الحركة؟ قلت : في الحركة.
قال : البركة مع الحركة ، وكنت عند هذه المقاولة أكتب كلماته الشريفة التي سمعتها منه في ذلك اليوم وذلك وراء سبحات الذي كان عينه لي في بيته المنيف توضأ حضرة الشيخ فمسح ذراعيه لأمن إسالة الماء الجديد عليها فخطر ببالي منع الفقهاء من ذلك وأن المناسب بحال حضرة الشيخ وصّى التقيد بأحكام الشريعة غاية التقيد أن يكون على خلاف ما رأيت منه وهذا قد مر على خاطري من غير اعتراض ؛ لأنه لم يكن من شأني الاعتراض قديما لكنه لما كان في صورة الاعتراض أراني الله في المنام تأديبا وتربية كأني مشرف من محل مرتفع ، وإذا مدرس مذموم بين الناس استقبلني من الطريق ، وأرى أن لحية حضرة الشيخ كأنها مصفرة وكذا لونه ، وقد كان أبيض فانتبهت فعرفت الحال ، وأستغفر الله الملك المتعال ؛ فالمدرس إشارة إلى المسألة الشرعية التي خطرت ببالي ، واصفرار اللون إشارة إلى النظر بالنقصان وعلى الله التكلان ، ونعوذ به من الخذلان.
__________________
(١) رواه الطبراني (١٠ / ١٨٥).
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
