وأن أمر الآخرة فوق ما يعرفه عامة الناس لما قبلت الوعظ ، ولا الشيخوخة ، وقد عزلت نفسي منها إنما أدري إذا يطلب الناس مني ، وأنا من أفراد الناس عاجز.
أقول : شدد في الأمر حتى تبرد في قلبي من الموعظة والتذكير ، وعزمت على الانقطاع التام ، وكان حضرة الشيخ قال ما قال من إرشاد إلا أنه خائف من البرازخ.
قال حضرة الشيخ : إن الله تعالى سلب من قلبي الميل إلى اللسان الفارسي منذ أربعين سنة ، وملأه بالعربية ، فأنا الآن لا أدعيه أصلا.
قال : إن المكروه طبعا بداية يكون محمودا حقيقة نهاية ، فعلى المرء أن يتقيد بالصبر والهضم ولا يجري على مقتضى طبعه.
قال : بلغني عنك قول مستحسن هو أنه واحد من أتباع خليفتنا في صوفيا أراد أن يكون عندنا فلم يرض الخليفة ، فقلت له أنت : إنك يا شيخ لا ترضى أن يكون مرادك مريدا لشيخك ، فمتى تكن أنت مريدا له ، ثم قل هذا القول منك إلهام من الله وكلهم حق والأمر كذلك ، ثم خاطب ابنه الكبير محمد الجودي بأن تعلم الفارسية أنت ، وكن معمورا من كل جانب ، ثم استأذنه ابنه أن يذهب إلى بروسة ويقيم هناك شهرا بطريق التفرج والزيارة فلم يرض حضرة الشيخ.
وقال : ليس هذا أوانه ؛ فإنه زمانه الطلب لا زمان السير فإذا جاء أوان السير فلتفعل.
قال حضرة الشيخ : لا راحة قبل الموت ، فإذا جاء الموت ارتفع الكدر ، ألا ترى إلى حال أهل القبور ليس لهم انقباض ولا انبساط ، ولو كان العالم مملوء منهما.
سألت حضرة الشيخ عن غاية الأمر أن اختلاف الزمان بالظلم والهزيمة إلى ما ذا ينجر ، هل كتب علماء الحقيقة شيئا يفصح عنه غاية الأمر ولو تقريبا؟
قال : يا ولدي سلب الله من قلبي الميل إلى مراجعة الكتب في مثل هذا ، فالله يفعل ما يشاء وإنّا نفرّ من قهره إلى لطفه ، فإن كان القضاء هو القضاء المطلق فيدفعه الله عنا ، وإن كان هو المبرم فلا دافع له ألا ترى إلى أهل الابتلاء من الأنبياء والأولياء كزكريا ويحيى والحسن والحسين وأمثالهم ـ عليهمالسلام ـ لكن الاحتياط لازم في مرتبة الشريعة ، وقد فقد الناس السلطان في هذا الزمان ونصبه واجب عليهم جعلوا السلطنة ميراثا مع أن لها شرائط ولوازم ، ولفقدانها وقع ما وقع من كل بلاء.
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
