واليبوسة على الترتيب والحياة بمنزلة الذات بالنسبة إلى سائر الصفات ؛ لأنه لا واسطة بينها وبين الذات ، والباقي تابع لها.
واعلم أن أكثر الأسماء إضافية ، فالأول باعتبار الآخر ، وبالعكس ، وعلى المظاهر باعتبار الباطن وبالعكس ، والمنتقم باعتبار العفو والغفور وبالعكس ، وعلى هذا ، وفي الحقيقة لا اسم ولا رسم ولا نعت ، ومن هنا يقال : البحت والمجهول المطلق ، وغير ذلك.
فإذا حصل للسالك الكمال التام ، ووصل إلى مرتبة المخلصية بالفتح تجرد عن جميع الألبسة المعادية ، وتعرى عن جميع الأسماء ، ولكن المجازية فذاته إذ غنية عن العالمين لأنه عبد من كان غنيا عن العالمين ، ومن كان عبد الغني فلا جرم يكسب من غناه غنى يستغنى به عما سواه ، وإذا ارتفع الكثرات اتحد الحضرات ، وإذا اتحد الحضرات ارتفع الظهور والخفاء فكان في عماء ما فوقه هواء ولا تحته هواء ، وصلنا الله وإياكم من العلم والغنى ، وجعلنا وإياكم مجمع البحرين ، وكشف عنا وعنكم غطاء الوجود ، وحققنا وإياكم بحقيقة الشهود ، فإنه مفيض الخير والجود.
وقال حضرة الشيخ في قوله تعالى : (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) [البقرة : ٢٨٥] : إن كل ما دخل تحت الوجود من الجماد والنبات والحيوان والملك والجن والإنس وغيرها فهو مرسل من الله تعالى ، أرسله بالفيض الأقدس الأقدم أي : عالم المعاني ثم بالفيض المقدس المقدم إلى عالم الأرواح والمثال والأجسام ، فأهل التوحيد والشهود لا يفرقون في الحقيقة بين أحد من هذه الرسل ؛ لأنها آثار ، والآثار تستند إلى الأفعال ، وهى إلى الصفات ، وهى إلى الذات المرشد ، فلم يبق إلا الهوية السارية في جميع الموجودات سريان المطلق في المقيد ، لا على جهة الحلول والاتحاد ، فلا موجود إلا هو.
قال حضرة الشيخ : في قول الهدائي ـ قدسسره ـ في بعض إلهياته التركية : «ايتمزسنك عاشقلرك ملك سليمانه تظروا» (١) : إنما لا يتعلق نظر العاشق الصادق إلى ملك سليمان لأنه لا يليق بشأنه أن يؤثر المفضول على الفاضل ، والسوى على المولى ؛ فإن آثر فقد زاغ بصره وطغى ، فلم يتحقق بالمعراج الحقيقي الأعلى في مقام : (قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى) [النجم : ٩].
__________________
(١) كلام تركي.
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
