ثم إذا ترقّى من ذلك المشهد إلى عرفات الغرب ، والوصال بالسير الواجبي ، والسلوك الحقيقي ، والمعرفة التامة التي ليس فيها إلحاد في الأسماء ، والصفات والأفعال ؛ فقد خرج عن ذنبه الواقع في عالم الأرواح ، الأرواح الذي هو عالم الكون الموجب المعنوي للشرك الحقيقي بإثبات الوجودين في المعنى ، وبذلك يتمّ حجه ووقفته في : مقعد صدق عند مليك مقتدر ، ويكون مظهرا لسرّ قوله تعالى : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) ؛ فما تقدّم من ذنبه هو الوجود المضاف إلى روحانيته الموجب للأثنية في عالم العقل ، وما تأخّر من ذنبه هو الوجود المضاف إلى جسدانية الموجب للإثنينية في عالم الحس.
فإذا كان هذا الذنب مطلقا مغفورا مستورا بنور الروح ؛ بل بنور القدس والوحدة ؛ خرج العبد عن البشرية ، وفنى عن الجسدانية ، وبقى مع الرب الباقي ؛ بحيث لا بقاء هناك ، ولا معية في الحقيقة ، وإنما هو وجود واحد ، ونور مطلق يتلألأ أضواؤه للعوالم ، فانظر هل وقع لك حج مثل هذا الحج إلى هذا اليوم؟ فإن لم يقع ؛ فانظر إلى كلام القوم ، واعمل بالصوم ، وترك النوم.
__________________
ـ وهاهنا كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقطع التلبية في أول حصاة يرميها ؛ لأن العبد قد أذن له ، وقد ذهبت العلل والموانع ، فقيل له : ضع عنك هذا الشين والدرن والدنس ، وتطّهر وخذ الزينة : أي اللباس ، وأئت معلم ربك ولذ به وحجه ، فيأخذ من أظفاره ويحلق رأسه ، ويلبس ثيابه ، فقيل له : طف بالبيت أسبوعا واحدا ، فكذلك لا يستحب أن يطوف بالبيت زيادة على أسبوع واحد ؛ وذلك طواف الزيادة ، والزيادة الميل إلى ـ الله ـ تعالى وإلى معلمه ، قد تم حجة ، ثم أمر أن يأتي منى لحال الذكر ، فيقم بها ثلاثا ، ويرمي الجمرات غيظا للعدو ، وإن وجد قربانا فقربه كان أفضل ، وإن لم يجد فليس عليه شيء.
ومن هاهنا قال علماء السلف ـ رضي الله عنهم ـ : إذا لم يقف بعرفات فقد فاته الحج ؛ لأنه قد فاته الإذن ، وإذا وقف بعرفة ولم يطف طواف الزيادة لم يفته الحج ، ولو أتى البيت بعد سنين كثيرة فطاف طواف الزيادة أتم حجه ، وعليه بدنة لتأخره ذلك ، ومن طاف فقد أجزأته حجته. وانظر : إثبات العلل (ص ١١١) بتحقيقنا.
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
