__________________
ـ ورحمته ، ثم جعل لقلوبهم طريقا إلى مظهره ؛ لينظروا بقلوبهم إلى عظمته وجلاله ، فيعظّموه به ويجلو أمره وشأنه ، وجعل لهم فجاجا وسبلا إلى معلمه ؛ ليحجوا بيته ، ويحطّوا به الأوزار والذنوب ، فيطوفوا حوله ويلوذوا به.
فإن ذلك البياض خفي عن أعين الخلق ، وبقي هواء ، فبنى على حد ذلك الهواء بنيانا يعرفه الخلق ؛ فهو معلم لمن قصد إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ بدنا ، والعرش مظهرا لمن قصد إلى الله ـ تبارك وتعالى ـ قلبا ، فجاءت شهوات النفس فأظلمت الصدور ، فحالت بين عيني الفؤاد ، وبين عين السير إليه ، والنظر إلى جلاله ، وتشبثت النفس بهذا الطّلل ، فحالت بينه وبين السير إليه ظلمة ، ولا يتخلص من النفس إلا من يجاهدها في الله حق جهاده ، فوعد المجاهدين الهداية إلى سبيله.
فقال : (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا)[العنكبوت : ٦٩].
ففتح لهم السبيل إليه بعدما أدّى حق المجاهدة ، وصدق الله ـ تعالى ـ فيها ، وقد بيّنّا شرح هذه المجاهدة في كتاب «صفة القلوب ومنازلها» ، والّذي ترك السير إليه متأخر عن مظهره ، والذي ترك السير إلى معلمه منقطع من رحمته ، فدعا العباد إلى إتيان معلمه ليسلّموا إليه أبدانهم بالعبودة ، فيتخذهم عبيدا ويغفر لهم ، وينيلهم الكرامات ، وينجح لهم الحاجات ، فأول من أجابه أبونا آدم عليهالسلام ، ثم لمّا ذهب رسم البيت زمن الغرق ، ابتعث الله ـ تعالى ـ خليله عليهالسلام وأمره ببناء الرسم ؛ ليعلم العباد موضعه ، وأمره أن يؤذّن في الناس بالحج ، فأجابه بالتلبية ، فكل من أسلم واستطاع إليه سبيلا ، أوجب عليه أن يأتيه ويظهر إسلامه عند معلمه.
والإسلام هو : تسليم النفس إلى الله ـ تعالى ـ انقيادا وعبودة ؛ ولذلك قيل : حجة الإسلام ، فإذا حجّ مرة بعد أخرى ، فإنما يجدّد في كل مرة تسليما إلى الله ـ تعالى ـ لأنه كلما أذنب دخل الخلل في تسليمه إليه.
فالعاكفون والطائفون حول بيته بدنا ، والعاكفون حول مظهره قلبا ، والوالجون بيته ندبا ، والوالجون مجالس ملكه قلبا ، فدلّ العباد على تجديد الإسلام كلما أخلق بالذنوب ، وانتقضت عراه ، وأمر خليله عليهالسلام بإظهار رسمه ، ثم أمره أن يؤذّن في الناس بالحج ، ثم جرت السّنة والسنة الصورة : صورة الإتيان واللوذان ، فجعل من دونه ميقاتا من كل ناحية إذا أتاه لباه ، فإذا لباه صار محرما ، وأمر أن يخرج من زينته وهو اللباس ؛ لأنه قد قال عزوجل : (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)[الأعراف : ٣١].
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
