الدين من حيث الحقيقة والمعرفة ، وفي إصلاح اللسان والأركان إصلاحه من حيث الشريعة والطريقة.
فإذا كان الحج على وصف الإخلاص والإصلاح ؛ رجع الحاج إلى بيته الصوري الذي هو مقر جسمانية ، وإلى بيته المعنوى القلبي الذي هو مقر روحانية ؛ بل مسكن الحق الذي أمر بتفريغه لسكون سرّه.
وحكمته كيوم ولدته أمه ، وهي أم طبيعته المزدوجة بروحانيته ، فالروح إذا تعلّق بالجسد ؛ تعلّق الزوج بالزوجة ، حصل منه ولد القلب وقواه ، كما حصل من ازدواجهما طفل الجسد وقواه : أي الطفل الجسداني الحامل للقوى الحسية الحيوانية الطبيعية ، وذلك اليوم مطلقا يوم فارغ عن المنازع الذي يحصل منه البعد ، والردى ؛ فظهر أن من حجّ لله ، إلى الله ، بالله ، في الله ؛ خرج عن ذنوبه المبعدة له عن ربه ، وأعظمها ذنب الوجود ؛ وهو إثبات الوجود لنفسه ، ورؤية الوجودين ؛ فإنه مناف للتوحيد الحقيقي.
وفيه إشارة إخرى وهي : إن اليوم الذي ولدته أمه هو الآن الغير المنقسم الذي تجلّى الله فيه للأشياء بالأسماء خصوصا باسمه النور في النكاح ، الحاصل بين عالم المعاني والأرواح ، وذلك اليوم يوم ملكي روحاني لم يهب فيه ريح بشرية جسدانية ، ولم يظهر فيه سلطنة اسم جلال ، وقهر إلا بالقوة ، فمن حصل له الوصول إلى ذلك اليوم بالرجوع إلى المقام الروحاني بعد العبور من عالم الحس والبشرية ، الذي هو عالم الغزو والجهاد ، فقد خرج عن ذنبه ، الواقع في عالم الأكوان الحسّ ؛ الذي يوجب الشرك الحقيقي بإثبات الوجودين في الصورة (١).
__________________
(١) قال الحكيم الترمذي : وأمّا علّة الحج : فإن الله ـ تعالى ـ جعل للعباد معلما في أرضه ، ولقلوبهم مظهرا يسيرون إليه بقلوبهم ويسيرون نحوه ؛ فالمظهر : العرش ، والمعلم : الكعبة.
لمّا ارتفع بخار الماء فصار سماء ظهر فوق الماء بياض كالقبة فجمد ، ثم مدّت الأرض من تحتها ؛ فالبياض معلمه ، وهو موضع البيت ، فملك الأرض شرقا وغربا عباده ، ولم يملك ذلك الموضع أحدا فهو عتيقة أعتقة من أن يملكه أحد سواه ؛ فلذلك سميّ البيت العتيق ، ثم دعا العباد إلى أن يؤمنوا به قلبا ، ويسلّموا له نفسا فيما يأمرهم به ، فأجابه الموحدون بمنّه
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
