أحمد أحد ، فما فرق بينهما إلا ميم الإمكان ، وبهذا الميم الإمكاني كان أحد أحمد ، وأيضا أحمد محمد ، فمحمد رسول الله ، وأحمد هو ولايته ، ونبي الله ، فإنه انباء الله ووحدته ، وأيضا من كمالات نفسه ، وذلك في عالم الأرواح.
كما قال : «كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين» (١) ، فإن كل نبوة لا يستلزم الرسالات ، بخلاف العكس.
أمّا أحد : فهو الله لا رسول الله ، ولا يكون أحد رسول نفسه ، إلا بالاعتبار ، والجهتين المختلفتين كما ينبئ عنه قوله صلىاللهعليهوسلم : «السّلام عليك أيها النبي» (٢) ، فإنه يسلم من جانب ولايته على جانب نبوته ، ومن ملكيته على بشريته ، ومن جمعه على فرقه ، ومن أصله على فرعه ، فلا يلزم منه التعدّد إلا بالاعتبار.
فإذا عرفت هذا السرّ العظيم ، والمعرفة الجليلة ، فاعلم أنه كما أن الله تعالى واحد بالوجود والألوهية ، فكذا محمد صلىاللهعليهوسلم واحد بالوجود والرسالة ، فإن وجودات الأنبياء عليهمالسلام قبله ، إنما هي صور وجوده الشريف ، وهممهم في حكم أمته لا حقيقة لتقدم زمانهم ، وكذا نبواتهم ورسالاتهم صور نبوته ورسالته ؛ لأنه ما من شريعة من الشرائع الأول ، إلا وسرها موجود في القرآن الذي هو معدن هذه الشريعة الناسخة.
فكما أنه لا إله إلا الله ، فكذا لا رسول إلا محمد ، وكما أن صور الكمّل مظاهر الحق فكذا صور الأنبياء مظاهر محمد الرسول ، وإنما ظهرت نبوته ورسالته فيهم بحسب استعداداتهم ومراتبهم ، كما أن نور الشمس إنما يتجلّى في القمر بحسب جلائه ، وكذا نور القمر إنما تجلّى في سائر النجوم بحسب مراتبها.
ومنه يعرف سر قوله صلىاللهعليهوسلم : «أنا من الله ، والمؤمنون من فيض نوري» (٣) ، فالقمر شمس ، لكن قيل له : قمر ، باعتبار خصوص التجلّي والإشراق ، وهو أيضا سراج ؛ لأن نوره ممدود من نور الشمس ، كامتداد نور الفتيل من الزيت.
__________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) رواه البيهقي في الكبرى (٢ / ١٤٤) ، وذكره الهيثمي في الزوائد (٢ / ١٤١).
(٣) تقدم تخريجه.
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
