ولذا قال : «فلم يرفث» (١) : أي بالميل إلى الأمور الطبيعية ، وقال صلىاللهعليهوسلم :
«ولم يفسق» (٢) : أي بالنزوع إلى الأمور النفسانية ؛ فانقطعت علاقته عن طبيعته الأصلية ، وشهواتها ، وعن مزاجه الفرعي وهواه ، فلم يبق له إلا أن يتوسل إلى وصول رب بيت الوجود من قلبه وروحه وستره.
قال صلىاللهعليهوسلم : «رجع كيوم ولدته أمه» (٣) : أي ولدته أم هويته التي هي فيض نور الله تعالى ؛ لأنه لم يكن وقتئذ تعلّق إلى شيء مما سواه تعالى ، فكان هو والربّ.
فهذه الأم هي آدم الأول الحقيقي الذي خلق الله حواء الطبيعة منه ، وما ينتشئ من ازدواجهما من الأشياء ، أو ولدته أم طبيعته وعناصره ؛ وهي آدم الثاني.
إذا كان الإنسان وقتئذ محمول الملائكة مقرّبا عند الله تعالى ، منتشأ كنشأة الجنان حتى إذا خلقت حواء من ضلعه الأيسر ، ووضع في موضع الضلع الشهوة ؛ كان منه الميول بحسب المراتب إلى أن اصطفاه الله تعالى.
وهذا الاصطفاء أكمل من المرتبة الأولى ؛ ولذا قال في الحديث : (رجع) ، فمن رجع إلى الله ، فليرجع بكليته ، وليطف بالبيت كما طاف آدم يعني : إن الحج الأكبر المعنوي مخصوص بآدم ؛ ولذا أضيف إليه طواف البيت أصالة ، وإلى غيره تبعية ؛ بل هو الباني الأول للبيت إشارة بطوافه الدوري إلى التوجه الإطلاقي الذي لم يذقه إلا الأكمل ، والله القاصد وهو المقصود ، وإليه يرجع أمر كل موجود.
١٦ ـ في صحيح البخاري : «من حجّ لله ، فلم يرفث ، ولم يفسق ، رجع كيوم ولدته أمه» (٤) :
قوله : (لله) : إشارة إلى إخلاص النية ؛ لأنها أساس الأعمال.
وقوله : (ولم يرفث) : إشارة إلى إصلاح اللسان الذي هو ترجمان الجنان.
وقوله : (ولم يفسق) : إشارة إلى إصلاح الأركان ، ففي إصلاح النية إصلاح
__________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) رواه البخاري (٢ / ٥٣) ، وأحمد (٢ / ٢٤٨).
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
