__________________
ـ وليحذر أن يلقي نفسه إلى كل من يلقاه من المتمشيخين في هذا الزمان ، الذي ظهرت فيه أهل الدعاوي واختفت فيه أرباب العرفان ، وليكثر من زيارة الصالحين الأموات لذلك ، فإنها مجوبة لقضاء وطره هنالك ، وليكثر أيضا من الاستخارة بعد استعمال ما يمكن من الاستشارة ، فإنه ما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار ، كما في الحديث ، إلى أن ينشرح صدره الانشراح التام ، ويبتهج قلبه وقالبه بأحد من مشيخة الأنام ، إما بمرائي منامية تزيل الريب ، وإما بدلالة أحد من رجال الغيب ، ولذا استحب أهل الطريق الخلوتية وغيرهم من بعض أهل الطرق الجلية أمر المريد بالاستخارة التي بالمراد ناطقة ، ليدخل الطريق بهمة عالية صادقة ، وإذا صدق المريد في الطلب أوقعه الله لا محالة على شيخ يزيل العطب.
وقد قال القوم رضوان الله عليهم : وجدان الشيخ الكامل المربي لازم من صدق المريد ، فمتى صدق المريد في إرادة الله تعالى وجد الشيخ الكامل المرشد إلى الله ، لأنه حجة الله تعالى على خلقه في الأرض ، لا ينقطع ولا يبرح عنها إلى يوم القيامة ، ومتى كذب المريد في طلبه لم يجد له مرشدا أصلا ، قال تعالى : (مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً)[الكهف : ١٧] بل إذا كان المريد صحيح النية والاعتقاد ووقع على متمشيخ من أهل الدعاوي والبعاد ، أوقع الله في نفس ذلك المتمشيخ ما يفتح به على هذا المريد ، وأوصله بصدق نيته إلى كل ما يريد ، فعاد النفع على المتمشيخ بذلك ، وربما كان المريد سببا في رجوعه وتوبته عما هو فيه هنالك ، فالمدار على الصدق ، فيه ينال من الله تعالى كل خير ورفق ، فإن تعزر عليه بكل وجه وجوده ، وتعسرت عليه بالكلية رؤيته وشهوده ، فليتعرف عيوب نفسه وعلاجاتها من كتب القوم العارفين والنصحاء الواصفين ، وليشتغل بما ينشر له من أخلاقهم وشمائلهم وآثارهم ، وليستروح إلى ما يجده من سيرهم ومأثور حكاياتهم وأخبارهم ، كما أنه إذا لم يجد المتطهر ماء يتيمم بالصعيد إلى أن يجد الماء الطاهر النقي المعد ، والله الهادي وبه التوفيق إلى سلوك أسلم طريق.
العلم الثالث منها : علم الغيب الذي هو كل ما غاب عن الخلق ولم تنصب عليه علامة ولا دليل ، ولم تمكن معرفته إلا بإعلام الملك الجليل ، والغيب الحقيقي هو المشار إليه بقوله تعالى : (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ) [الجن : ٢٦ ـ ٢٧] والولي التابع للرسول منه يغترف وعنه يأخذ ، وبإمداده يستمد ، وإليه في كل حالة يستند.
فالأول : وهو علم الشريعة للخاص والعام.
والثاني : وهو علم الحقيقة لخواص الأولياء والصالحين.
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
