__________________
ـ والثالث : وهو علم الغيب للأنبياء والمرسلين ، ومن كان على قدمهم ، وهم متفاوتون في هذه العلوم بحسب أذواقهم ومشاربهم ، وقابليتهم واستعدادهم ، وربما اختص بعضهم بشيء منها دون الآخر ، كما اختص رسول الله صلىاللهعليهوسلم بأشياء منها لا تليق إلا به ، وبكونه الممد بها كلها والقاسم لأعطيتها ، والمانح لكل ذي قسط قسطه منها ، لأنه الواسطة في كل شيء ، وعلى يده الهبة من الله تعالى لكل شيء ، ولا يخرج عنه شيء صلىاللهعليهوسلم.
وبعبارة أخرى : العلوم ثلاثة : علم ضروري ، أو نقول : بديهي ، وهو : ما يدركه العقل بالبداهة ، أعني بمجرد الالتفات إليه من غير احتياج إلى ناقل ، ولا إعمال فكر ولا إلى استدلال.
وعلم نظري ، أو نقول : كسبي ، وهو : ما يحتاج العقل في إدراكه إلى تعلم واكتساب أو نظر واستدلال ، وهو المشار إليه بحديث : «إنما العلم بالتعلم» أخرجه ابن أبي عاصم والطبراني من حديث معاوية.
قال في «فتح الباري» : وإسناده حسن ، لأن فيه مبهما اعتضد بمجيئه من وجه آخر انتهى.
وعلم وهبي أو نقول : لدني وهو ما يهجم على القلب ويفيض على الصدر ، لا بالدراسة والتعلم ، ولا بالنظر في الكتب والتفهم ، بل بالاستقامة على قدم المصطفى والتخلق بأخلاقه الكريمة وحسن الاقتفاء ، والزهد في الدنيا والتبرؤ من علائقها ، وتفريغ القلب من شواغلها ، والإقبال بكنه الهمة على الله ، عرف سببه الذي ألقي منه أم لا ، وإليه الإشارة بقوله عليهالسلام : «من زهد في الدنيا علمه الله بلا تعلم ، وهداه بلا هداية ، وجعله بصيرا ، وكشف عنه العمى». أخرجه أبو نعيم في «الحلية» ، والديلمي في «مسند الفردوس».
وقوله : «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم». أخرجه في «الحلية» من حديث أنس وضعفه.
وبقوله تعالى : (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا)[العنكبوت : ٦٩] أي : الطريق الموصلة إلينا.
وبقوله : (وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ)[البقرة : ٢٨٢].
وقوله : (إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً)[الأنفال : ٢٩] أي : هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل ، وتخرجون بها من الشبهات.
وقوله : (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ)[الطلاق : ٢ ـ ٣] قيل في تأويله : يجعل له مخرجا من الإشكالات والشبه ، ويعلمه علما من غير تعلم.
وقوله : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ)[آل عمران : ٣١] ومن أحبه الله فتح له الباب ، وأدخله حضرة الاقتراب ، وأجلسه مع الأحباب ، فرأى الغيب شهادة ، وصار له من الله الكشف عادة ، وأفيضت على قلبه مياه الحقائق ، وانكشفت له البراقع عن وجوه الدقائق ، وعلمه الله من لدنه علما وعرفه بنفسه ، وأدرك السر الأسمى.
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
