وكل من هاتين الأمانتين كالأمانتين اللتين هما الأمانة الصغرى ؛ كإمامة الصلاة ، والإمامة الكبرى كإمامة السلطان ؛ ولثقلهما قال صلىاللهعليهوسلم : «الإمام ضامن» (١) ، فمن ابتلي بشيء من هاتين الإمامتين ؛ فليحفظ نفسه ، وكذا من اقتدى به ، فإنه ورد : «كلكم راع ، وكلكم مسئول عن رعيته» (٢).
والجماعة رعيته الإمام ، والإمام والرعية واحد في الحقيقة ، فإذا وقع من أحدهما ثلمة في الدين ؛ فقد وقع من الآخر أيضا ؛ لتأثيره فيه تأثير بعض الأجزاء في البعض ؛ كوجع السن ، أو العين ، أو البطن مثلا ، فإنه يؤثّر في غيرها أيضا بحسب السريان.
وقد صحّ أن بين الشيئين جهتين ؛ جهة ما به الامتياز ، وجه ما به حكم الجواز ، ثم إني أقول : أراد صلىاللهعليهوسلم بفقدان الأمانة في الدين رجوع الفيض الإلهي من الظهور إلى البطون ، وأول ما كان هذا الرجوع قبيل سبعمائة سنة من مدة هذه الأمة ، فازداد الأمر ارتدادا إلى الأصل إلى يومنا هذا ، وهو ألف ومائة وثلاثون ، وكلّما ارتدّ هذا الأمر ، ورجع قهقهري ؛ قلّ أهل الأمانة ، فأكثر الناس الآن خونة ظاهر وباطنا ، وفسقة شريعة طريقة.
وأراد بفقدان الصلاة : إضاعة صورتها ؛ ومعناها وإن أقيمت ، وكذا إضاعة التوجه الكلي إلى الله تعالى إمّا أنفسا ، وإمّا آفاقا.
وأردنا بالإضاعة النفسية : ما كان عند كل شخص من الغفلة عن الله تعالى ، وبالإضاعة الأفقية : ما كان بالنسبة إلى من يحفظ الله به العالم بصورته ومعناه ، فإنه إذا احتجب عن محافظة شيء من الأشياء الموجودة في الدنيا الداخلة تحت إحاطته ؛ أسرع إليه الموت والفناء ؛ لأن ذلك الحافظ ؛ هو روح ذلك الشيء ، فإذا قطع فيض نفسه الرحماني ، ومدّده الربّاني عنه التحق بالعدم ، وذلك بتقدير الله تعالى وقضائه.
إذ لو لا ذلك ؛ لامتدّت الحياة ، ولمّا كان آخر الدنيا هو الفناء والهلاك ؛ ناسبه فقدان الصلاة التي بها الحياة ، فاعرف هذه الجملة ، وتبتل إليه تبتيلا ، وكن حاضرا
__________________
(١) رواه أبو داود (١ / ١٤٣) ، والترمذي (١ / ٤٠٢).
(٢) رواه البخاري (١ / ٤٣١) ، ومسلم (٣ / ١٤٥٩).
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
