فنشروا العلم الأول حتى بلغ كل بر وفاجر ؛ كما هو شأن التبليغ في مرتبة الشريعة ، وأمسكوا عن الثاني إلى أن يجدوا أهله ، لا قد قيل : لا يباع الإبل في سوق الدجاج ؛ يعني : لكل مبيع سوق على حدة ، ولمّا تصدّى المنصور الحلّاج لإفشاء سر الحقيقة ؛ وهو كون العين واحدة وأن الإنسان مظهر الحق ؛ لأنه تعالى لمّا خلق آدم ؛ خلقه على صورته ، وتجلّى فيه ؛ كان من أمره ما كان ؛ لأن السرّ إذا عرى عن لباسه ؛ كان صاحبه أيضا عريانا ، والعريان مجنون ، ومقام المجنون السجن ، والمارستان.
والسجن على أنواع : لأنه عبارة عن : المحلّ الضيق ، والصلب ، والخنق من ذلك الضيق ، فلو كان ممن يضيّق على نفسه في الكتم من حيث الباطن ؛ لوجد الواسعة في الظاهر ؛ لأن المتقيّد بالشريعة مطلق عن الطعن ، والوقوع فيه ، وقس عليه الشيخ المسمى بالمسلوخ ، وشهاب المقتول ، وكمال المصلوب ، ونحوهم ممن سار على سيرتهم.
ثم إن المجلس الأعظم ؛ هو المجلس الإلهي ، وصورته مجالس أهل التصوف ، كما قال من قال : من أراد أن يجلس مع الله تعالى ؛ فليجلس مع أهل التصوّف (١).
__________________
(١) يعرفنا الإمام الجنيد التصوف والصوفية بقوله : مبنى التصوف على أخلاق ثمانية من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام : السخاء وهو لإبراهيم ، والرضا وهو لإسحاق ، والصبر وهو لأيوب ، والإشارة وهي لزكريا ، والغربة وهي ليحيى ، ولبس الصوف وهو لموسى ، والسياحة وهي لعيسى ، والفقر وهو لمحمد صلىاللهعليهوسلم وعليهم أجمعين.
وقال : التصوف ذكر مع اجتماع ، ووجد مع استماع ، وعمل مع اتّباع.
وقال : إنما هذا الاسم (يعني التصوف) نعت أقيم العبد فيه. فقال أبو بكر الملاعقي : يا سيدي ، نعت للعبد أم نعت للحق؟ فقال الجنيد : نعت للحق حقيقة ، ونعت للعبد رسما.
وقال : الصوفي كالأرض ، يطرح عليها كل قبيح ، ولا يخرج منها إلا كل مليح.
وقال : الصوفي كالأرض يطؤها البرّ والفاجر ، وكالسحاب يظلّ كل شيء ، وكالمطر يسقي كل شيء.
وسئل عن التصوف؟ فقال : هو أن يميتك الحق عنك ، ويحييك به.
وسئل عن التصوف؟ فقال : هو أن تكون مع الله تعالى بلا علاقة.
وقال : التصوف هو عنوة لا صلح فيها.
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
