إلى الفداء الروحاني ، والفيض الرحماني ، فإن الأغذية الجسمانية ؛ إنما هي وسائل للتربية الروحانية ، فالأغذية الروحانية أصل الأغذية ، وفي نمائها نماء الأغذية الجسمانية ؛ لأن نمائها ؛ إنما هو من طهارة القلب والقالب.
وقد ورد : «دم على الطهارة ؛ يوسّع عليك الرزق» (١) : أي دم على الطهارة الصورية ، والنظافة الجسمانية من النجاسات الحقيقية يوسّع عليك الرزق الجسماني ، وعلى الطهارة المعنوية ، والنظافة الروحانية من النجاسات الحكمية ؛ يوسّع عليك الرزق الروحاني ، فمن ضاق عليه الرزق مطلقا ، فليكن على الطهارة مطلقا دائما.
وأشار بإنساء الأثر محركة : أي تأخيرا لأجل الحياة الطيبة الباقية ؛ فإنها العمر الثاني ، وأهلها الموصول لا المقطوع ؛ ولذا قال تعالى : (إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) [الكوثر : ٣] : أي المقطوع نسله ، فإن البغض للروح يورّث الكسل ، وفي الأعمال الصالحة الروحانية ، والرواج للأعمال الفاسدة النفسانية.
ولا شك أن النفس وما يتعلّق بها من الأعمال السيئة أبتر لا نماء لها عند الله ؛ كالروح وأعماله ، فإن النماء ، إنما يكون للطيب لا للخبيث ؛ ولذا قال تعالى : (وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً) [الأعراف : ٥٨].
ومن آثار هذا المقام أن أهل الله لم يزالوا محبوبين إلى يوم القيامة ، وآثارهم باقية معمولة مدّ الدهر ، وإن الذين توغّلوا في إنكارهم ؛ لم يزالوا مبغوضين إلى ساعة القيام ، وآثارهم مندرسة مهجورة ؛ لأن الحق يعلو ، ولا يعلى ، والباطل يعلى ، ولا يعلو ، فطوبى لأهل الحق ، وويل لأهل البطلان ، والله تعالى متمّ نوره.
٥٧ ـ في حديث القضاعي : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «المجالس بالأمانات» (٢) :
أورد المجالس بصيغة الجمع ، وقابله بالجمع أيضا إشارة إلى كثرة المجالس ، وكثرة الأمانات ، فلكل مجلس أمانة ، ولكل أمانة محافظة ومراعاة ، وقد صحّ عن الصحابة أنهم أخذوا عن النبي صلىاللهعليهوسلم علمين : علم الشرائع والأحكام ، وعلم الحقائق والأذواق.
__________________
(١) ذكره المناوي في فيض القدير (٤ / ٢٧٣).
(٢) رواه القضاعي في الشهاب (١ / ٣٧).
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
