لأن الفاني لا يعود إلى أوصافه ، والباقي لا يكون له فناء كوني.
وأمّا الموت الطبيعي فهو : انتقال لا فناء ، ويظهر عدم كونه فناء أن الإنسان الباقي بربه لا يبلى من حيث هيكله أيضا ، ومن آثار الصلة الحقيقية : ألا يعطي من نفسه الاعتراض على شيء من الأشياء التي هي بمنزلة أجزائه بالنسبة إلى حقيقة الوحدانية ؛ للتجلية بالصفات والقوى ، فينظر إلى الأشياء بعين الحقيقة ، ولا يكون عاقا لإمامة العلوية ، وانتهائه السفلية ، وما تولّد منهما من الأولاد الكثيرة التي لا تحصى عددا ؛ لأنها إخوانه وأقاربه.
ولمّا ذكرنا من السرّ الإلهي ؛ ذكر النبي صلىاللهعليهوسلم صلة الرحم في جنب الإيمان بالله واليوم الآخر ، ثم لمّا كانت الأشياء أمورا مضادة من حيث طبائعها مخالفة لحقائقها في أحوالها المختلفة ؛ كان من الحكمة الإلهية إزالة الضد بالضد ، ولم يعد ذلك من العقوق ، كما أشار إليه قوله تعالى : (وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما) [لقمان : ١٥].
٣٨ ـ في صحيح مسلم : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «من لقي الله لا يشرك به شيئا ؛ دخل الجنة ، ومن لقيه يشرك به ؛ دخل النار» (١) :
الجملة الأخيرة تصريح بما علم من الجملة الأولى ؛ لأنه إذا كان الموحّد هو الذي يدخل الجنة ؛ كان المشرك هو الذي يدخل النار ، ولكل من الجنة والنار صورة ومعنى ، فصورة الجنة : دار الثواب المشتملة على ثمرات الأعمال ، ومعناها : القلب الإنساني المحتوي على نتائج الأحوال ، وفي الكل تنعّم ؛ لكل التنعّم في الجنة الأولى جسماني وروحاني ، وفي الثانية روحاني فقط ، وقد يشمل الروحاني في الدنيا الجسماني أيضا ؛ فيتنعّم المكاشف بما يقرب من تنعّم المحجوب في الجنان ، وله أخبار وآثار كثيرة ، ومن لم يذق ؛ لم يعرف كيف هو؟.
وأمّا صورة النار (٢) : فدار العقاب الجامعة لتبعات السيئات ، ومعناها : الطبيعة
__________________
(١) رواه البخاري (١ / ٦٠) ، ومسلم (١ / ٩٤).
(٢) قال السيوطي في البدور : أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «ما رأيت مثل النار نام هاربها ، ولا مثل الجنة نام طالبها».
وأخرج أحمد في مسنده عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنه قال لجبريل عليهالسلام : «ما لي لا أرى ميكائيل ضاحكا قط ، قال : ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار».
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
